الملك عبد العزيز وروزفلت ولقاء وايزمن

الملك عبد العزيز وروزفلت ولقاء وايزمن

د. أنيس مصطفى القاسم

بمناسبة الدعوة التي وجهها الرئيس الامريكي لعقد مؤتمر جديد تحضره دول عربية وفلسطين واسرئيل وأشار فيه بالاسم للملكة العربية السعودية، لعله من المفيد استرجاع موقف مشابه حاول فيه رئيس أمريكي سابق هو روزفلت ترتيب لقاء بين الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله وزعيم الحركة الصهيونية في ذلك الوقت الدكتور حاييم وايزمن. فقد نُشِرَ في الآونة الأخيرة بحثٌ حول الموضوع استنادا الى الوثائق الرسمية الامريكية، أجراه استاذ جامعي امريكي يهودي هو الاستاذ لورانس دافيدسون ونشره في كتابه “فلسطين أمريكا” الصادر عام 2001 عن مطبعة جامعة فلوريدا، الصفحات 148-157.

بدأت المحاولات للجمع بين الملك عبد العزيز ووايزمن في ديسمبر 1942 حين قام وايزمن بزيارة مساعد وزير الخارجية الامريكية ، سَمْنَرْ ويلز، الذي كان أكثر رجال الخارجية الامريكية تعاطفا مع الحركة الصهيونية. في تلك الزيارة ذكر وايزمن أن رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت، ونستون تشرشل، يرغب في “أن يُنصِّبَ ابنَ سعود رئيسَ الرؤساء في العالم العربي” بشرط أن يكون الملك السعودي مستعدا للعمل مع وايزمن لايجاد ” حل للقضية الفلسطينية يرضاه العقلاء”. وأكد وايزمن في ذلك اللقاء “أن الرئيس (أي روزفلت) كان موافقا على هذا”.

إثر هذا اللقاء بدأ الحوار داخل وزارة الخارجية الامريكية، وكان موقف قسم شؤون الشرق الأدنى متشككا في الأمر، على أساس أنه ليس هناك رغبة لدى الملك عبد العزيز في أن يكون “رئيس الرؤساء في العالم العربي” أو أن لدى بريطانيا من النفوذ عليه لحمله على القيام بالمطلوب منه، أو أن ما تراه الحركة الصهيونية حلا للمشكلة سيراه الملك عبد العزيز حلا “يرضاه العقلاء”. ومع ذلك فقد كانت الفكرة مغرية، وبناء على ذلك وَجَّهَ القسم مذكرة تؤيد حل دولتين، وهو الحل الذي كان قد اقترحه جودا ماغنز، رئيس الجامعة العبرية بالقدس، واقترح القسم بأن تكون المبادرة ، اذا كانت ستتم فعلا، مبادرة امريكية بريطانية مشتركة، مبررا المشاركة الامريكية بأنه “وإن كان الملك السعودي لا يميل الى زيادة اعتماده على بريطانيا فانه قد يرحب بمساهمة امريكية أكبر في بلاده”.

وفي اجتماع جرى في 19 يناير 1943 بين القادة الصهيونيين وقسم الشرق الادنى في وزارة الخارجية الامريكية حث وايزمن ” على ضرورة استطلاع موضوع اجراء مباحثات مع ابن سعود في الحال، وأن على الحكومتين الامريكية والبريطانية تمهيد الطريق لهذه المباحثات”. وفي نفس الاجتماع أكد الزعيم الصهيوني بشكل قاطع أن “فلسطين لن تعود أرضا عربية مرة أخرى”، رافضا بذلك حل الدولتين الذي اقترحه ماجنز والذي يبدو أن وزاروة الخارجية الامريكية كانت متجهة اليه. وبحث المجتمعون الخطة التي يجب اتباعها لاقناع الملك السعودي بموقف كهذا، وكان اقتراح وايزمن هو أن الملك عبد العزيز ستغريه فكرة اقامة “اتحاد عربي برئاسته وفيه تتعاون فلسطين اليهودية”. واقترح كذلك “تقديم اعتماد مقداره عشرون مليون دولار يدفع لابن سعود لاغراض تنمية الاتحاد العربي، على أن يُجمع هذا القرض من الجاليات اليهودية في الامم المتحدة”.

ويقول مؤلف الكتاب إن قسم الشرق الادنى توقف أمام هذه الخطة، اذ أدرك أن الملك عبد العزيز قد يرى أن مشروع الاتحاد العربي هذا برئاسة حاكم سعودي على انه “عرش تم الحصول عليه في مقابل اعطاء فلسطين للصهيونيين”، وأن الاعتماد المالي ليس سوى رشوة تهدف الى أن يستعملها ابن سعود “للتغلب على معارضة العرب للمشروع”. وأكد رئيس القسم أن الملك السعودي “مؤمن عميق الايمان ومُبَشِّرٌ بالعروبة، وأنه نقي في ايمانه، ومن الثابت أنه يعارض الاطماع الصهيونية. ولذا فان السؤال الاول الذي تجب اثارته هو هل أخطأ الدكتور وايزمن في اختيار رجله. واذا كان الأمر كذلك فان الملك لن يرفض الصفقة فقط وانما قد لا يكون سعيدا بأي انسان له علاقة بالموضوع”. واختتم رئيس القسم مذكرته بالقول: “انني أرى أنه كلما كان دورنا (أي أمريكا) أقل في الاقتراحات الحالية المحددة المقدمة من الدكتور وايزمن كان الأفضل”. وقد تأكد رأي قسم الشرق الادنى هذا بمذكرة رسمية بعث بها الملك عبد العزيز الى الرئيس الامريكي في مايو 1943 حيث ندد جلالته بالاطماع الصهيونية في فلسطين واعتبرها مخالفة للميثاق الاطلسي، وهو الميثاق الذي أصدرته أمريكا وبريطانيا في أغسطس 1941 والتزمتا فيه بحق تقرير الشعوب لمصيرها. وأعرب الملك في رسالته عن قلقه “من الاخبار المتواصلة عن عدم توقف هؤلاء الصهاينة عن تقديم ادعائهم الخاطئ وغير العادل” وبهذا “يضللون الناس بهذه الدعاية”. كما تأكد هذا الرأي برسالة بعثها القائم بالاعمال في السفارة الامريكية في المملكة العربية السعودية في 6 مايو 1943 والتي قال فيها إن تمسك الملك السعودي بالاسلام وقضية الاستقلال العربي يعنيان أن ” الاحتمال ضعيف جدا في أن يوافق ابن سعود في أي ظرف من الظروف على استقبال وفد يهودي” أو “أن يكون من المتوقع أن يتغير موقف الملك بتأثير أية اتصالات موجهة اليه من جانب الصهيونيين”.

بالرغم من هذا وفي اجتماع بين روزفلت ووايزمن في يونيو عام 1943 قرر روزفلت ارسال مبعوث خاص الى السعودية للتمهيد للقاء بين الملك عبد العزيز ووايزمن. وفي ذلك الاجتماع ذكر وايزمن للرئيس الامريكي أن ابن سعود “أمير صحراوي بعيد جدا عن الشئون الدولية” بالرغم من أن مذكرة الملك قد كشفت أنه كان على اطلاع على ما يجري دوليا وعلى ما تروجه الصهيونية من دعاية في الاوساط الامريكية. وأصر وايزمن على أنه يجب على الدول الديموقراطية أن تقول للعرب بطريقة مباشرة أنها “تريد أن تُثَبِّتَ حقوق اليهود في فلسطين.” ويمضي محضر الاجتماع الى القول:”في هذه اللحظة أبدى الرئيسُ العديدَ من الملاحظات: (اولا) ان العرب قد فشلوا في هذه الحرب (الحرب العالمية الثانية)، (ثانيا) مع أن عند العرب مساحات شاسعة من الارض الا أنهم لم يفعلوا الا القليل لتنميتها، (ثالثا) من المحتمل أن يقوم اليهود بالمساعدة في هذه التنمية هم والامم المتحدة. ثم قال الرئيس إنه يعتقد بأنه بالامكان شراء العرب”.

وتم الاتفاق على أن يرسل روزفلت مبعوثاً خاصا الى السعودية لاستجلاء الموقف السعودي، وكان هذا المبعوث هو الكولونيل هوسكنس الذي كان يجيد العربية وعلى اطلاع بالاوضاع السائدة في الشرق الادنى. وأمضى هذا المبعوث الجزء الأكبر من صيف عام 1943 في السعودية. وكما كان متوقعا من المسئولين في قسم الشرق الادنى بوزارة الخارجية الامريكية، فقد باء المبعوث الامريكي بالفشل الكامل حيث اعتبر الملك عبد العزيز أن ما عرضوه عليه هو رشوة للتخلي عن فلسطين. وهذا لن يكون. وازاء هذا فقد ظل روزفلت بعيدا عن القضية الفلسطينية الى أن التقى شخصيا بالملك عبد العزيز في 14 فبراير 1945، أي بعد عامين تقريبا من تقرير موفده الخاص.

تم اللقاء بين الملك عبد العزيز وروزفلت على ظهر البارجة “كوينسي” وهي راسية في قناة السويس بعد عودة روزفلت من مؤتمر يالطا. وكان الرئيس يعتقد أنه قادر شخصيا على معالجة الموضوع مع الملك السعودي. وفي ذلك اللقاء تولى الترجمة الوزير المفوض فوق العادة الامريكي في السعودية، وليم إدي، وهو الذي دَوَّنَ ما حصل في ذلك اللقاء. قال ان الاجتماع “كان ممتعا للغاية” وأن الرئيس والملك “اتفقا على كل شيء الى أن ذكر روزفلت فلسطين”. استمع الملك عبد العزيز لما تحدث عنه الرئيس من فوائد تنمية المنطقة التي يفترض أن تأتي نتيجة للتعاون بين العرب والصهيونيين، ثم رد عليه قائلا “إن العرب سيختارون الموت على أن يسلموا أرضهم لليهود”.

ان الذين كتبوا عن هذا الاجتماع قليلا ما اشاروا الى اقتراحات الملك عبد العزيز لحل المشكلة اليهودية. غير أن (إيدي) تعرض لذلك في محضر الاجتماع قائلا بأنه بعد أن تحدث روزفلت باسهاب عن معاناة اليهود في المانيا وطلب من الملك عبد العزيز أن يقترح ما يراه لمساعدة الناجين منهم، كان رد الملك:”أعطهم هم وذراريهم أحسن اراضي الالمان الذين اضطهدوهم وبيوتهم”. وعندما أجاب الرئيس قائلا إن اليهود لا يريدون المانيا وهم متعلقون عاطفيا بفلسطين، رد عليه الملك: “وما هو الضرر الذي تسبب فيه العرب ليهود أوروبا؟ ان المسيحيين الالمان هم الذين سرقوا بيوتهم وحيواتهم. فليدفع الالمان الثمن”. وقال الملك ان فلسطين قد أخذت أكثر من نصيبها من اللاجئين اليهود، واذا كان الرئيس لا يحبذ فكرة اعطاء اليهود جزءاً من المانيا فان معسكر الحلفاء المكون من خمسين دولة يستطيع أن يستوعب ما تبقى من اللاجئين اليهود. وكانت الدول الغربية لا تسمح بالهجرة اليهودية اليها ولم تسعَ الحركة الصهيونية لحمل هذه الدول، ومن بينها أمريكا، على تعديل قوانين الهجرة فيها بحيث يستطيع الناجون من اليهود الهجرة اليها.

وتقول الوثائق ان روزفلت أدرك أن العرب جادون فيما يتعلق بقضية فلسطين ، ولذا فقد أرسل رسالة الى الملك عبد العزيز بتاريخ 5 ابريل 1945 يؤكد فيها أنه “لن يتخذ قراراً بالنسبة للوضع الاساسي لفلسطين بدون التشاور الكامل مع العرب واليهود” . وفضلا عن هذا فقد تعهد روزفلت “بصفته رئيس الجهاز التنفيذي للحكومة، بأن لا يتخذ أي عمل قد يثبت أنه مُعادٍ للشعب العربي”.

وقد أثارت نتائج لقاء روزفلت مع الملك عبد العزيز قلقا كبيرا في أوساط الصهيونيين وأنصارهم، وبدأوا يلومونه على ذلك اللقاء بعد أن كانوا يصرون عليه. ازاء هذا اضطر روزفلت لمقابلة زعمائهم وخولهم أن يصرحوا بأنه يؤكد مجدداً أن حكومة الولايات المتحدة تنظر “بعطف كبير” لتحقيق وطن قومي لليهود في فلسطين. وأدى هذا التصريح بدوره الى احتجاجات من السعودية ومصر والعراق ووجدت الخارجية الامريكية نفسها في حرج كبير لمعالجة الموقف. ونتيجة لهذا فقد أصبح روزفلت أكثر ميلا لوضع فلسطين تحت الوصاية الدولية، ووافق بالفعل على اقتراح بذلك قدمه له قبل وفاته في ابريل عام 1945 قسم الشرق الادنى في وزارة الخارجية. وجاء ترومان بعد روزفلت، وكان شهيرا باحتقاره لوزارة الخارجية التي كان يطلق على موظفيها لقب “الاولاد ذوي السراويل الُمقَلَّمَة”. وفسر تعهد روزفلت للملك عبد العزيز بالتشاور،عنما ذكروه بذلك التعهد، بأنه لا يعني الاتفلق، وتجاهل تماما تعهد روزفلت بأن لا يقوم بما من شأنه أن يكون معاديا للعرب.

واليوم يريد بوش أن يعقد مؤتمرا اختار له أطرافه دون أن يسمي من بينهم سوى طرفٍ واحدٍ هو السعودية، ربما لأن الاطراف العربية الاخرى “المعتدلة” على استعداد دائما للالتقاء برئيس الوزراء الاسرائيلي أو الترحيب به في عواصمهم. ولم يبق سوى السعودية من هذه الدول “المعتدلة”، وهو تعريف لا معنى له ازاء التزام جميع الدول العربية بالمبادرة العربية التي أطلقها الملك عبد الله وتبنتها قمتان عربيتان. اننا لا ندري ما الذي سيعرضه الرئيس الامريكي، أو مندوب اللجنة الرباعية توني بلير، هذه المرة، على الملك السعودي. ويقينا أن الملك عبد الله لن يغريه عرض أمريكي بأن تُنصبه أمريكا رئيساً لرؤساء العالم العربي أو أن يغريه أي عرض مالي، وأن يكون ثمنُ ذلك التهاونَ فيما يتعلق بالقدس أو في حقوق الشعب الفلسطيني. وقياسا على مواقف المرحوم والده، فان المحاولات الامريكية الجديدة للجمع بينه وبين رئيس وزراء اسرائيل سيكون مصيرها الفشل، وهذا ما صرح به الرئيس المصري للتلفزيون الاسرائيلي. ولا شك في أن محاولات الاغراء ستكون من بين الوسائل التي ستتبعها اسرائيل، وبلير كذلك، ليس فقط مع الملك عبد الله وانما مع كل زعيم عربي وممثل للشعب الفلسطيني، خاصة في هذه الظروف التي يعاني منها الوسط الفلسطيني من الانقسام الداخلي، وهو انقسام نرجو أن ينتهي في اسرع وقت وأن يتوقف كل طرف عن محاولة فرض شروطه المسبقة على الحوار، مهما كانت، هذه الشروط التي تزيد التباعد تباعدا، في حين أن المسئولية عن أسباب ما حدث ليست خافية ، كما أن التجاوزات في رد الفعل ليست خافية أيضا. ازاء هذا فإن مصلحة الوطن تفرض على الطرفين أن يقفزا فوق هذه الحواجز ويعيدا لحمة أمينة وصادقة للصف الفلسطيني، ولا يمكن أن يتم هذا عن طريق فرض الشروط وكأن الامور طبيعية ولا توجد قضية ملحة، هي قضية الوطن، في انتظار تكاتف جهود جميع ابنائها لمواجهة التحديات.

وما دام الملك عبد الله قد طرح مبادرته ووافق عليها الفلسطينيون والعرب ورفض مؤتمر القمة العربي المنعقد في الرياض ادخال أية تعديلات عليها، فالمتوقع أن الملك عبد الله وغيره من القادة العرب سيتمسكون بها تمسكا كاملا وأن يعطوها تفسيرا موحدا. كما أنه من المتوقع منه، بل ومنهم جميعا، أن يحشدوا العالم الاسلامي وراء مبادرتهم، بحيث يصبح العالمان العربي والاسلامي وشعوبهما قوة ضاغطة تُوفر للمبادرة قسطا من المخالب التي يبدو أنها تفتقدها، ويسندهم في ذلك كله الرأيُ الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الجدار واعتمادُ ذلك الرأي من جانب الجمعية العامة للامم المتحدة بأغلبية ساحقة على أنه ملزم لجميع الدول ، ومن بينها بريطانيا في عهد رئاسة توني بلير لوزرائها، التي صوتت لصالح القرار، بحيث يجب أن يُواجَهَ بذلك هو وغيره كلما حاول المناورة حول المبادئ التي قررت المحكمة والمجتمع الدولي أنها تحكم الحل التفاوضي.

نشرت فب القدس العربي بتاريخ 26 يوليو 2007 صفحة 18

رئيس اللجنة القانونية سابقا في المجلس الوطني الفلسطيني

المقتطفات في هذا المقال هي من الوثائق الرسمية الامريكية كما وردت في الكتاب المذكور.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s