إلا القضاء يا سادة

إلا القضاء يا سادة

د. أنيس مصطفى القاسم

نشرت وكالات الانباء أن حكومة السيد سلام فياض قد قررت عدم دفع مرتبات القضاة في قطاع غزة، الأمر الذي أدى الى اغلاق المحاكم لأبوابها وانقطاع القضاة عن أداء واجبهم وممارسة اختصاصاتهم وفقا للقانون، كما أن ذلك أدى الى الاعتداء على حق أساسي ضمنه القانون الاساسي للمواطنين وغيرهم وهو حق اللجوء الى القضاء، وهو حق لا يصح اطلاقا الاعتداء عليه.

القضاء في أي نظام، سلطة ثالثة مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهو ليس تابعا لرئاسة الوزراء أو لرئيس السلطة ليوقف مرتبات أعضائه أو ليتدخل في شئونه. وفي النظام الدستوري الفلسطيني فان القضاء مستقل وهو السلطة الدستورية الثالثة، ولا يصح اطلاقا تعطيله عن القيام بواجبه وهو فض النزاعات التي تنشأ بين الافراد وفقا لحكم القانون. النظام الدستوري الفلسطيني قلئم على الفصل بين السلطات الثلاث السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية وعلى استقلال القضاء، وهذا ما يجب الالتزام به بحيث تمارس كل سلطة اختصاصاتها في الحدود التي رسمها القانون الاساسي، وليس استنادا الى أهواء أو محاولة تصفية حسابات.

إن هذا التصرف هو جانب مما حذرنا منه في اللقاء الذي أجرته وكالة رويترز وعممته في 8 يوليو، وهو أن الفتاوى التي اعتمد عليها الرئيس الفلسطيني في تصرفاته من شأنها أن تؤدي الى هذه النتائج الخطيرة ومحاولات الانفراد بالسلطة والتمادي في ذلك بخطوات متلاحقة. وتعطيل القضاء عن القيام بمهامه هو أسوأ ما يمكن أن يقوم به أي نظام ، ويتحمل مسئوليته بالكامل ليس فقط من استهانوا بالنظام الدستوري الفلسطيني وأشاروا على الرئيس بهذا الاجراء، وانما يشاركهم في تحمل المسئولية اللجنةُ التنفيذيةُ لمنظمة التحرير والمجلسُ المركزي اللذان تسرعا في تأييد ما أتخذ من قرارت، ولم يحاسبا السلطة التنفيذية عليها. (وهناك سؤال عابر تفرضه الشرعية وهو هل جميع من يدعون أنهم أعضاء في اللجنة التنفيذية أو من دعوا للمشاركة في اجتماعات المجلس المركزي كانوا أعضاء في هاتين الهيئتين انتخبهم المجلس الوطني كما تقضي اجراءات منظمة التحرير الفلسطينية؟).

إنها سابقة خطيرة أن تُعَطِّلَ السلطةُ التنفيذيةُ السلطةََ القضائيةَ عن عملها الذي أنشئت من أجله وهو ضمان الحقوق وحمايتها وفقا للقانون. الى أين يذهب المتقاضون لفض النزاعات والخصومات والى ماذا سيحتكمون بعد أن أغلق أمامهم الطريق الحضاري والدستوري؟ وهل حرمان المواطن من حقه الدستوري هو العقاب على ما يريدون معاقبة حماس عليه؟ القضاء ليس قضاء فتح أو حماس أو أي تنظيم آخر وليس قضاء اسماعيل هنية أو سلام فياض أو محمود عباس . انه سلطة مستقلة عن هؤلاء جميعا وحاميا للشرعية من تصرفات هؤلاء جميعاً، ولا يجوز اطلاقا الزج به في معركة الخلافات بين المتصارعين السياسيين. . إننا لا ندري ولا نستطيع أن نفهم كيف يستفيم الادعاء بالشرعية مع هدم الركن الذي يعبر عنها وهو القضاء أو الاستخفاف بدوره في حماية المجتمع من الفساد والانفلات الأمني وفقا لضوابط يحددها القانون.

اننا ندعو الى وقفة مع النفس والى المحاسبة الذاتية عما حصل بأمانة وصدق ، ونلح باصرار على ضرورة الرجوع عن هذا الاجراء في الحال والعودة الى العقل وتغليب التفسير السليم للقانون، والارتقاء بمصلحة المواطن والوطن وحقوقهما ومصيرهما على هذه الخصومات الفئوية، وهو مطلب قد يكون صعب المنال على الفاسدين والمنتفعين ولكنه ليس كذلك مع الشرفاء، وهؤلاء موجودون والحمد لله في جميع المنظمات والفصائل الفلسطينية ، وعليهم وعلى الاغلبية الصامتة التحرك لحماية الشرعية الحقيقية وحماية المجتمع من العودة الى الهيمنة الفردية و الانفلات الامني والفساد، وهي أمور عانى منها الشعب الفلسطيني الكثير فيما مضى وأساءت الى مكانته وتلريخه النضالي والحضاري.

نشرت في القدس العربي بتاريخ 30 يوليو 2007 صفحة 19..

رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقا.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s