مأزق المبادرة العربية

مأزق المبادرة العربية .

مقدمة

أُُعلِنت المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002، ومضى على اعلانها خمس سنوات لتعود قمة الرياض عام 2007 وتؤكد عليها مجددا رافضة أي تعديل عليها. خلال هذه السنوات الخمس بان مدى اكتراث المجتمع الدولي بهذه المبادرة ومدى استعداد اسرائيل وأمريكا، على وجه الخصوص، للتجاوب معها ايجابيا، وبان كذلك مدى التزام الحكام العرب بما يقررونه، ويصرحون به.

فمن ناحية اسرائيل كان الرد على المبادرة بُعَيْدَ اعلانها مجزرة مخيم جنين، ومواصلة فرض الوقائع على الأرض بقوة أكثر مما مضى، مثل اقامة الجدار الذي أعلنت محكمة العدل الدولية عدم شرعيته ووجوب ازالته، واستمرار عمليات الاكتساح لقطاع غزة والضفة، والاغتيالات والاعتقالات وهدم البيوت وتجريف الاراضي، واقامة مستوطنات جديدة وتوسيع ما كان قائما. أي أن اسرائيل لم تكترث بهذه المبادرة، واستمرت هذه النشاطات بعد التأكيد على المبادرة في قمة الرياض، وازدادت الانتهاكات للمسجد الاقصى وتضاعفت الخطوات للاستيلاء عليه وربما هدمه، بل وأقيم كنيس في أحد الانفاق التي حفرت تحته، ليجري، في أفضل الاحوال، تقسيم المسجد، تماما كما حصل في الحرم الابراهيمي، وتثبيت واقع يفرض سيطرة اسرائيلية، بحجة الوصول الى مكان مقدس للعبادة، حتى لوعادت القدس الشرقية للسيادة الفلسطينية، مع أن الجدار يفصلها عن محيطها الفلسطيني ويفرغها من غالبية سكانها الفلسطينيين. وأضيف الى هذه كله حصار مالي واقتصادي خانق كشف حتى لمن لم يرد أن يرى مدى تحكم اسرائيل حتى في لقمة العيش الفلسطينية.

أما الرد الاوروبي على المبادرة عند اعلانها لأول مرة فقد كان التجاهل الكامل. والرد الامريكي لم يكن تجاهلها فقط، بل كان اغراق الانظمة العربية في المشرق العربي في المشروع الامريكي الاسرائيلي ضد ايران وحزب الله وحماس بوجه خاص، بحيث تولت أمريكا واسرائيل قيادة حلف سني ضد ما سمي بالخطر الشيعي على الدول السنية. واصبحت وزيرة الخارجية الامريكية تجتمع علنا مع رؤساء المخابرات في الدول العربية “المعتدلة” وتحدد لهم سياسات دولهم في مواجهة هذا الخطر، وأعلنت صراحة أن الوقت لم يحن بعد لبدء المفاوضات مع اسرائيل، دون أن تعترض على ما تقوم به هذه من انتهاكات للحقوق العربية. ونتيجة لهذا التحالف أعلن يهود أولمرت أن الدول العربية أصبحت تخشى من الارهاب أكثر مما تخشى الخطر

الاسرائيلي. ولذا جاء هذا التحالف. وفرضت أمريكا واسرائيل الحصار الاقتصادي والمالي على الشعب الفلسطيني في حملة يقصد من ورائها تركيعه وكسر ارادته في اختيار ممثليه، وإن جرى هذا الاختيار وفقا لمشروع الديموقراطية الذي تبشر به أمريكا للشرق الاوسط. ووقفت الانظمة العربية والاسلامية موقف العاجز ازاء هذا الحصار الجائر، وكأنها لا تعد ستة وخمسين دولة يبلغ تعداد سكانها أكثر من بليون نسمة، أي حوالي ثلث سكان الكرة الأرضية.

أما الموقف العربي نفسه من هذه المبادرة فقد كان الإهمال أو التهرب، كالعادة، عندما صدر أول رد فعل اسرائيلي، وكأنما المتوقع أن تلهث اسرائيل وراءها، كما نلهث نحن العرب، وتتخلى عن طموحاتها وبرامجها. لجنة المتابعة التي شكلتها القمة لمتابعة المبادرة والدعوة اليها والتعريف بها، لم تتحرك من مكاتبها، ولم يسمع أحد عن وجودها. والقمة انعقدت عدة مرات بعد قمة بيروت فلم تتخذ أي قرار جدي لا للتذكير بالمبادرة ولا لمواجهة ما كانت تقوم به اسرائيل من تنفيذ لمخططاتها، ولم تبذل جهدا جدياً لتفعيل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الجدار الذي أيد جميع المواقف الفلسطينية والعربية في جميع القضايا ورسم الحدود الواجب الالتزام بها لحل هذه القضايا. الشيء الوحيد الذي استمر بعد المبادرة هو الحرص الرسمي العربي على المحافظة على ما كان قد تم من تطبيع مع اسرائيل، وتوسيع نطاقه، وتبني املاءات اسرائيل على الحكومة الفلسطينية المنتخبة.

ومحصلة هذا كله أن العالم ، واسرائيل وامريكا والاتحاد الاوروبي بطبيعة الحال، والانظمة العربية كلها، واصل عدم الاكتراث بما تقرره القمم العربية. فلماذا كل هذا الاستخفاف بقمم اثنتين وعشرين دولة تضم أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة؟

قرارت بلا أنياب أو مخالب

ان هذا الاستخفاف يعود الى عناصر متعددة واحدُها يكفي. ومن بين هذه العناصر:

(أولا) الدول العربية، أو معظمها على الأقل، تتعارض أفعالها مع أقوالها، وتتضارب مواقفها المعلنة مع مواقفها عند الحديث مع الغير، ولا يلتزم القادة العرب بما يقررونه، وهم دائما على استعداد للتنازل، وللعطاء النافذ في مقابل وعود لا ينفذ منها شيء. وهذا كله يؤثر على مصداقيتهم ويؤدي الى عدم الجدية في النظر الى ما يقولونه أو يقررونه.

(ثانيا) لو كانت الدول العربية جادة في مبادرتها لوفرت لها حدأ أدنى من فرص النجاح أو الاهتمام على الأقل. إن العنصر الرئيسي الذي تفتقر اليه مبادرة قمة بيروت والتأكيد عليها في قمة الرياض هو أنها مبادرة بلا مخالب، فلا هي محددة بزمن بحيث يصبح العرب في حل منها بعد مرور هذه الفترة الزمنية، ولا هي مرتبطة بمواقف تُتَّخذ في حالة عدم الاستجابة لها خلال هذه الفترة. وياليت الدول الاسلامية قد التزمت بهذه المبادرة أيضا بحيث يتأكد أن القضية قضية العالمين العربي والاسلامي وبأن نتائج رفضها سيستدعي مواقف من الدول الاسلامية فضلا عن الدول العربية. (ويا ليت وزراء الخارجية العرب ضموا الى صفهم مهاتير محمد ممثلا للدول الاسلامية).

(ثالثا) ويرتبط بالسبب الثاني مفهوم خاطئ لخيار السلام. لقد اختارت الانظمة العربية كلها السلام وأعلنت مرارا وتكرارا بأن خيارها هذا خيار استراتيجي لا رجعة فيه. وحيث أن السلام مستتب مع الانظمة العربية، بالرغم من عدم التزام اسرائيل به، وحيث أن التطبيع مع هذه الانظمة في تقدم مستمر أيضاً رغما عن كل شيء، فان من المنطقي أن تتساءل اسرائيل عن قيمة ما ستجنيه من قبول هذا لعرض فوق ما تحصل عليه بدون التعامل معه، في ظل هذه الاستراتيجية العربية، ومن الطبيعي أن تُطالب بالثمن مقدماً. وهذا ما حصل بالفعل.

(رابعا) إن تفسير الانظمة العربية لخيار السلام هو في حقيقته خيار الاستسلام لما تقرره وتفعله اسرائيل. أي أن هذا الخيار لا يستبعد فقط الحرب المسلحة استبعادا كاملا، وانما يُلغي كذلك جميع وسائل الضغط التي لا تصل الى درجة هذه الحرب المسلحة، خلافا لما تفعله جميع الدول من ابقاء جميع الخيارات مفتوحة لكي تتصرف وفقاً لما تتطور اليه الأمور. وبهذا يدخل في مضمون هذا الخيار الاستراتيجي، وفقا للمواقف والممارسات العربية، استبعادُ التعرض للتصرفات الاسرائيلية، كائنة ما كانت، والتخلي الكامل عن جميع أوجه الضغوط التي تستعملها الدول لحماية مصالحها ويقرها القانون الدولي، كسحب السفراء أو قطع العلاقات الدبلوماسية، طالما أنها لم تحقق شيئا، أو ايقاف التعاملات وفرض المقاطعة، والتوقف عن التطبيع

والمشروعات المشتركة، والوقوف الى جانب حركات المقاومة، أو على الأقل عدم التضييق عليها. هذه وأمثالها اجراءات تتخذها الدول لحماية مصالحها وحقوقها، ولا تعتبر تهديدا للسلام أو الأمن الدولي.

(خامسا) الدول العربية تستجدي المجتمع الدولي بأن يقوم هو بما يجب عليها هي أن تحاول، على الأقل، القيام به، مبتدئة بنفسها. الدول العربية تُطالِبُ الدول الاخرى بأن تكون هي المُبادِرةُ لاتخاذ اجراءات ضد اسرائيل في الوقت الذي تحرص هي فيه على المحافظة على علاقات شبه حميمية وتزيدها تعميقاً، ولا تُقدم على اتخاذ أي اجراء مهما صغر. هذا موقف لا يجلب سوى السخرية والاستخفاف من بقية دول المجتمع الدولي. فلماذا تضحي الدول الأخرى بمصالحها وصاحب المصلحة لا يفعل شيئا للدفاع عن مصلحته؟ المجتمع الدولي يتحرك بقدر ما تُوَجّه عليه من ضغوط. والدول العربية والاسلامية لا تستعمل أي نوع من لضغوط، بل انها تتخلى عن اسلحة مشروعة جاءتها رحمة من الغير، مثل فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الفاصل الذي تقيمه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة. أعلى محكمة دولية في العالم قررت باجماع لا سابقة له وبناء على طلب من المجتمع الدولي ذاته أن الجدار هذا غير شرعي ويجب ازالته وتعويض الاضرار التي نتجت عنه. كما قررت المحكمة المبادئ التي يجب الالتزام بها لتسوية القضايا العالقة، والتزامات الدول والامم المتحدة في هذا الشأن. ومع ذلك فان الانظمة العربية والاسلامية والسلطة الفلسطينية ما زالت غافلة عن أهمية هذه الفتوى ولم تبذل جهدا حقيقيا متواصلا داخل المجتمع الدولي، ولو عن طريق الجمعبة

العامة للامم المتحدة لتفعيل هذه الفتوى، كما أنها تتجاهل قرارات مجلس الأمن نفسه بشأن القدس المستوطنات وغيرها ولا تفعل شيئا لابقاء هذه القرارات حية وفاعلة داجل المجتمع الدولي. هذا عمل دبلوماسي لا يهدد لسلام، بل إنه يعمل على تثبيت أركانه وأركان الشرعية الدولية. الانظمة العربية تتجاهل هذا كله، بدلا من أن تكون في حركة دؤوبة للاستفادة منه.خوفا من احراج أمريكا ، في حين أن أمريكا، وخاصة الكونغرس، لا تتردد لحظة واحدة في احراج أي نظام عربي وخلق المشاكل له. الانظمة العربية تتلقى الضربات من أمريكا، قائدة المجتمع الدولي، ولا ترد على هذه الضربات ولو بتخفيض مستوى العلاقات الاقتصادية، بالاحجام مثلا عن عقد الصفقات الخيالية، مثل شراء اسلحة يعلم الجميع أنها لن تُستعمل ولكنها تُبقي صناعة الاسلحة في أمريكا وأوروبا ناشطة وتنقذها من الاغلاق وتوفر فرص العمالة للالاف. أمريكا، كغيرها من الدول، تحرص على مصالحها، وخاصة التجارية منها، فاذا شعرت شركاتها بأن هناك تحولا في التوجهات التجارية الى جهات أخرى، فان الشركات المهددة في ارباحها ستتحرك، كما تتحرك الحكومات أيضا عندما تشعر بضغوط جدية وتحولات في مسيرة التجارة.. أما اذا بقيت المصالح سائرة كما يريدون فلماذا يغيرون المسيرة. وخير دليل على ذلك قصة صفقة اليمامة بين بريطانيا والسعودية.

(سادسا) الانظمة العربية والرئاسة الفلسطينية ومستشاروها النافذون تركوا مصير القضية في يد أمريكا. يتوسلون اليها ويحرصون على رضاها، بالرغم من الطعنات التي لا تتردد أمريكا والكونغرس بوجه خاص في توجيهها لكل نظام عربي وللقضية الفلسطينية، ولا يمارسون في الوقت ذاته ضغوطا فاعلة هي في ايديهم لتغيير الموقف الامريكي أو لاحراج الادارة الامريكية. الموقف الامريكي تحكمه في نهاية المطاف المصالح الامريكية. فما دامت المصالح الامريكية مضمونة في العالمين العربي والاسلامي، وما دام أن طلبات أمريكا دائماً مستجابة، فما هو الداعي لامريكا لتغيير سياستها؟ المصالح الامريكية كثيرة ومتنوعة في العالمين العربي والاسلامي، ولا تتحقق هذا المصالح الا بتعاون من الانظمة العربية والاسلامية. فاذا التزمت هذه الأنظمة بمواقف ثابتة تتمسك بأن العلاقات لها طرفان وعلى كل طرف مراعاة مصالح الطرف الآخر، فان المعادلة تتغير. ومع الأسف فان هذا الالتزام غائب لانغلاق كل نظام على نفسه ولغياب النظرة الاستراتيجية لدى هذه الانظمة، مع أنه من الواضح أن أمريكا تسعى للانفراد بالتعامل مع كل نظام على حدة ضد المصالح الحقيقية لهذا النظام، وأن هذا الانفراد يتيح لها فرصة استغلال ضعف هذه الانظمة عندما تتحرك على انفراد. وحيث أن الموقف الامريكي، من منظور الانظمة العربية في وضعه الحالي، حاسم بالنسبة الى المبادرة العربية، فإن الاجواء ما زالت غير مهيأة عربيا واسلاميا لاستجابة ايجابية من الطرف الامريكي. . اجراء واحد فقط يكفي لتذكير امريكا وشركاتها بأن مصالحها في خطر اذا استمرت في سياستها المتحيزة المخالفة للشرعية الدولية. وهذا الاجراء هو التوقف مثلا عن شراء الطائرات الحربية الامريكية، وحتى الغربية، (والتي ليست الانظمة في حاجة اليها على أي حال ولن تكون ذات جدوى لو أنها استعملت لأن البائع يتحكم في قطع الغيار والصيانة

وستصبح الطائرات خردة لا قيمة لها).

(سابعا) إن الضغوط التي تحدثنا عنها فيما تقدم والتي ندعو الحكومات الى ممارستها، قد لا يتحقق منها نظرا لأن الماضي يدل على انعدام الارادة الفاعلة عند معظم الحكام العرب وعلى استهانتهم بما لديهم من امكانيات لو حشدوها واستفادوا منها مجتمعة. ونرجو أن قمة الرياض منعطفا يصحح هذه الاوضاع. وسواء كان قد حصل ذلك أو لم يحصل، فلا مفر من القول بأنه على الشعوب العربية والاسلامية أن تستعيد دورها الفاعل في الأحداث وفي المواجهة، سواء تحركت الأنظمة أو لم تتحرك. وفي تاريخنا المعاصر، كانت حركة الشعوب مؤثرة. فالشعوب هي التي اسقطت حلف بغداد الذي سعى الى اعادة الوطن العربي لأحضان بريطانيا وجره لأحلاف لا مصلحة فيها للامة العربية. وعمال الموانئ العرب هم الذين فرضوا على أمريكا فتح موانئها أمام الباخرة المصرية كليوباترا، وذلك بمقاطعة البواخر والطائرات الامريكية ورفض التعامل معها في الموانئ والمطارات العربية. ونصرة الشعوب العربية لثورة الجزائر ساهمت مساهمة كبيرة في تحقيق النصر لها. واحتضان الشعوب العربية للفدائيين الفلسطينيين أسهم كثيرا في تثبيت أقدام المقاومة

الفلسطينية وفي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وحركات المقاومة. صحيح أنه كانت هناك قيادة عربية مؤثرة، وهي قيادة جمال عبد الناصر، ولكن الشعوب الحية لا تربط مصيرها بوجود شخص قد تأتي به الاقدار وقد لا تأتي. الواعون في هذه الأمة بالمخاطر التي تحيق بها، عليهم أن يضاعفوا من حركتهم لتوعية الجماهير بما تستطيع هي القيام به، دون انتظار لقائد قد لا يتكرر وجوده لعدة عقود. ومن أول وأبسط ما يمكن للشعوب أن تقوم به هو رفض التطبيع رفضا قاطعا ومحاصرة المطبعين والداعين له بحيث ينعدم تأثيرهم مهما كانت الحجج التي يتقدمون بها. والى جانب رفض التطبيع، يجب أن تزداد حركة المقاطعة قوةً وشمولاً، ويزداد الغضب الشعبي لما يلاقيه الشعب الفلسطيني. المقاطعة يجب الا تقتصر على مقاطعة البضائع والمنتجات

الاسرائيلية، وانما يجب أن تتسع لتشمل منتجات الدول التي تدعم اسرائيل، وأن تظهر الى الوجود حركة شعبية عالمية تتبنى هذه المقاطعة كما كان حاصلا أيام مقاطعة جنوبي افريقيا العنصرية. لقد بدأت بشائر هذه الدعوة العالمية في الظهور، وانتشارها في العالمين العربي والاسلامي يساعد على تعميمها خارجهما. لقد بدأت حقيقة اسرائيل تتكشف أكثر فأكثر، وكذلك النتائج الخطيرة للهيمنة الامريكية. هذه الأجواء مواتية، ولكن التحرك لشعبي لم يستغلها بعد بالقدر الممكن. لقد ثار العالم الاسلامي كله من أدناه الى أقصاه في قضية الصور الكاريكاتورية للرسول الكريم، وثار في قضية الحجاب، بينما يبقى هذا العالم الاسلامي ومعظم علمائه ودعاته وناشطيه ساكتين لا يتحركون لحماية المسجد الاقصى أو لرفع الحصار الجائر على الشعب الفلسطيني أو لوقف

عمليات القتل اليومية أو لنصرة الاسرى الفلسطينيين والعرب في السجون والمعتقلات الاسرائيلية. بربكم هل يجوز أن إشغال المرأة المسلمة في هذه الايام بفتاوى أمثال أنها تعتبر زانية اذا جلست على كرسي، بدلا من تنبيهها الى دورها الحاسم في نصرة قضايا أمتها، كمقاطعة منتجات التجميل الامريكية مثلا التي تنفق عليها سيدات قطر عربي واحد لا نريد أن نسميه حوالي بليوني دولار سنويا؟ المرأة هي العمود الفقري لتنفيذ مقاطعة فاعلة في شتى المجالات. والحركات النسوية في العالمين العربي والاسلامي مدعوةٌ لتطبيقها، ذلك أن من أهم نتائج هذه المقاطعة أن الشركات التي تتناقص أرباحها ستتحرك للضغط على حكومتها لازالة اسباب المقاطعة، بشرط أن تستمر المقاطعة الى أن يتحقق الهدف منها، وأن لا تكون طفرة مؤقتة تتآكل بمرور الايام. أي أن هذه الشركات ستصبح هي “اللوبي” الذي تفتقده القضايا العربية في أمريكا أو غيرها، للضغط على الحكومات لاتباع سياسة أكثر انصافا للقضايا العربية. السلطات العربية قد تمنع الاجتماعات التي تعقد للدعوة للمقاطعة، ولكنها لا تستطيع أن تفرض على المواطن أو المواطنة أن يشتري أو تشتري منتجات بلد محدد أو شركة معينة. واذن فان المقاطعة سلاح لا يستطيع أحد أن يتحكم فيه سوى من يستعمله. والمرأة العربية والمسلمة مدعوةٌ لنصرة المرأة الفلسطينية في المحن اليومية التي تواجهها هي وأطفالها . لماذا لا تحدد الحركات النسائية يوماً من كل شهر، وليكن أول يوم، للمسيرات والنشاطات تحديدا لنصرة المرأة الفلسطينية في نضالها واعتصاماتها مثلاً للافراج عن الاسرى والمعتقلين من نساء وأطفال وشباب وشيوخ؟ لقد فشل الرجال في فك الحصار وفي الافراج عن الاسرى والمعتقلين، والمرأة قادرة على نقل النضال من أجل هذه الحقوق الانسانية الى الشارع في كل مكان. أليس هذا والحث على المقاطعة خير للأمة وللاسلام أن ينشغل به الوعاظ والواعظات والشيوخ والشيخات من اصحاب المواقع على الانترنت أو ممن يُستضافون على الفضائيات، من فتاوى أمثال أن لعبة كرة القدم حرام لأنها مستوردة من الكفار، أو أن الدولة الفاطمية، نعم الدولة الفاطمية التي انقضى على زوالها مئات السنين، دولة كافرة، أو أن طول اللحية أو الثوب يجب ألا يقل أو يزيد، حسب الأحوال، عن كذا سنتيمترا، أو ذر الفتنة

بين المسلمين بتكفير أولئك أو هؤلاء واغتصاب حق الله في أنه هو صاحب القرار في هذه الأمور؟.

(ثامنا) وأخيرا وليس آخرا، فإن موقف السلطة الفلسطينية، وبصورة أدق، موقف الرئيس الفلسطيني ومستشاريه، حاسم ولا شك في الوصول الى الغايات المرجوة من المبادرة، خاصة وأن هؤلاء يعتبرون ممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية المغيبة تماما عن مسرح الأحداث، وتتوقع اسرائيل أن تجري المفاوضات مع هؤلاء، وفقا للمعلقين الاسرائيليين. ولا شك في أن اسرائيل ستسعى لذلك، ولا نستبعد أن تجد آذانا صاغية لدى الأنظمة العربية التي تريد أن يتحمل الشعب الفلسطيني مسئولية القرار النهائي. وبطبيعة الحال فان اسرائيل تتوقع أن تستغل الضعف، بل العجز، التفاوضي الذي تجلى حتى اليوم من جانب من تولوا المفاوضات عن الشعب الفلسطيني. فاذا استطاعت اسرائيل أن تمرر ما تريد في مفاوضات سرية مع هذا المفاوض الفلسطيني، والسوابق تدل على أن هذا أمر شبه مؤكد، فان الأنظمة العربية تصل الى ما تتمناه وهو اتفاق فلسطيني اسرائيلي، مهما كانت طبيعة هذا الاتفاق. ونظراً لخطورة الموضوع فانه لا مجال للمجاملة، ولا بد من قول الحقيقة المرة. المفاوضون الفلسطينيون أثبتوا أنهم ليسوا أنداداً للمفاوضين الاسرائيليين، وأنه من السهل على المفاوض الاسرائيلي أن يجرهم الى مزالق خطيرة دون أن يدركوها. اعلان مبادئ اوسلو وما تلاه من اتفاقيات، اتفاق بيلين مع أبو مازن حول القدس، وثيقة جنيف، كلها تدلل على عدم كفاءة المفاوض الفلسطيني وسهولة انجراره خلف المنطق الاسرائيلي، جهلا أحيانا وأحيانا أخرى بسبب التضييقات التي يفرضها الاحتلال للتأثير على الارادة الفلسطينية. ومن المؤسف أن المفاوض الفلسطيني لم يتعلم من تجاربه، الأمر الذي يستدعي تغييرا كاملا للطاقم الذي يتولى المفاوضات، خاصة وأن اسلوب المفاوضات السرية الذي تبناه الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي يؤدي الى اقتناص تنازلات فلسطينية متواصلة بسبب عدم كفاءة المفاوض الفلسطيني. وليس أدل على ذلك من اتفاقية سرية قيل انها حصلت عام 2005 لحل نهائي للقضية بين الرئيس الفلسطيني ونائب وزير الأمن الاسرائيلي، وتأجل تنفيذها بعد عدم نجاح فتح في انتخابات المجلس التشريعي. فقد نقلت جريدة القدس العربي في عددها الصادر في 24 نيسان (ابريل) 2007 صفحة 5 ، عن جريدة معاريف لاسرائيلية، خبراً تحت عنوان “عباس ونائب وزير الأمن الاسرائيلي أعدا سرا اتفاقا لحل النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي يضمن يهودية اسرائيل”. وقد ذكرت الصحيفة الاسرائيلية أن لديها نسخة من هذا الاتفاق. فاذا صح الخبر، وتولى الرئيس الفلسطيني وطاقمه المفاوضات مع اسرائيل، فلا نستبعد أبداً أن نرى أنفسنا، الشعب الفلسطيني والأنظمة العربية، في مواجهة اتفاق تم اجازه والموافقة عليه أخطر بكثير من اتفاقية اوسلو وما تلاها من اتفاقيات ووثائق. ومجرد الاحجام عن الاعلان عنه بسبب ما تمخضت عنه انتخابات المجلس التشريعي

دليل واضح على طبيعته. اننا الآن نكتفي بالاشارة اليه، ونحجم عن التعليق الى أن يؤكد أبو مازن وجوده من عدمه، وخاصة ما اذا كان قد وافق عليه كما أدعت الصحيفة الاسرائيلية. ومهما يكن الأمر، فمن المؤكد أنه يجب تغيير طاقم المفاوضين الفلسطينيين تغييرا كاملا، والاستعانة بخبراء، حتى ولو كانوا من بين الأجانب، كالمحامين الذين تولوا قضية الجدار الفاصل أمام محكمة العدل الدولية، كما نؤكد خطورة الانفراد بالمفاوضات، وخطورة الاستمرار في تغييب منظمة التحرير بمؤسساتها. ومنعا لسوء الفهم، فإننا لا نطعن في وطنية المفاوضين هؤلاء، ولا في نواياهم من محاولة انقاذ الشعب الفلسطيني مما يعانيه، وانما نرى أنهم غير أكفاء لتولي هذه المهمة العويصة في مواجهة من يستعينون بجميع الكفاءات الاسرائيلية واليهودية والدولية لتحقيق أهدافهم بصياغة اتفاق يضمن هذه الأهداف. وكذلك، فانه ما دامت المبادرة مبادرة عربية فان من الواجب أن تتحمل الأمة العربية كلها المسئولية عن هذه المبادرة، بمشاركة الفلسطينيين بطبيعة الحال، دون أن ينفرد أحد بتفسيرها على هواه، وانما وفقا لتفسير متفق عليه يعتمد على المبادئ التي قررتها محكمة العدل الدولية في قضية الجدار كأساس لأي حل تفاوضي.

النتيجة

ان النتيجة التي نخلص اليها هي أن المبادرة العربية، اذا بقيت بدون مخالب رسمية وشعبية، ستكون قد ولدت ميتة، أو على الأقل سيصيبها تعديلات كثيرة مهمة اذا جرى الاستمرار فيها. وإغراءُ التطبيع ليس بالاغراء الكافي بالنسبة لاسرائيل ليوصل الى النتيجة المرجوة ما دامت الانظمة العربية والاسلامية سائرة فيه وملتزمة به على أي حال، وما دام مفاوضون رسميون فلسطينيون على استعداد دائما للقبول بأقل مما جاء في المبادرة بكثير. إن الظروف مواتية للبدء في استرداد بعض الحقوق العربية دون تنازلات، بشرط أن يكون هناك اتفاق عربي فلسطيني حول تطبيق هذه المبادرة بحيث لا يُعطى أي جانب منها تفسيرات متعارضة أو تنطوي على انتقاص من الحقوق أو انهاء الاحتلال وجميع ما ترتب عليه بالمخالفة للشرعية الدولية كما قررتها محكمة العدل الدوليةً، من اقامة للمستوطنات مثلا أو تغيير في البنية السكانية لمدينة القدس أو بقاء لأي مظهر من مظاهر الاحتلال في مدينة القدس الشرقية.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s