كفى تحايلا على حقوق الشعب الفلسطيني واستخفافا بعقول أبنائه

1 ـ مرة أخرى يبدأ مسلسل التحايل على حقوق الشعب الفلسطيني والاستخفاف بعقول أبنائه. فبعد انكشاف ما كان مستورا في المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي، أعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين استقالته من هذا المنصب. إلا أنه استمر في عضويته للجنة التنفيذية وواصل نشاطه، كما فعل أمين سر اللجنة التنفيذية عندما فاوض الاسرائيليين وتخلى عن حق العودة بالتوقيع في احتفال رسمي على ما أصبح يسمى وثيقة جنيف. في الحالتين كان يجب ان تستقيل اللجنة التنفيذية بكاملها لأنها مسؤولة مسؤولية فردية وتضامنية عما وقع، ومع ذلك لا اللجنة استقالت أو اقيلت ولا استقال العضو المعني أو اقيل.

هذان مثالان فقط، ووقع انقسام استمر سنوات، ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة وقطيعة وضياع في الظاهر والحقيقة خافية، ومع ذلك بقي المجلس الوطني الفلسطيني مغيبا ولا مساءلة أو محاسبة أو سحب ثقة، ولا انتخاب للجنة تنفيذية جديدة تكون اكفأ في القيام بواجباتها. وها هي اللجنة التنفيذية والسلطة الوطنية تهيئان الاجواء لخطوات في غاية الأهمية، مثل الذهاب لمجلس الأمن للحصول على اعتراف بدولة فلسطينية ظاهريا في حدود 1967 وواقعيا غير ذلك، وإعداد دستور للدولة الوليدة، والاستفتاء عليه، من دون أن يمر على المجلس الوطني لتقوم لجانه المختصة والمجلس بكامل اعضائه بتمحيص النصوص والتدقيق فيها لاكتشاف ما قد تحتويه من مطبات سُرِّبَتْ اليه من هنا أو هناك، والتعامل معها، والتأكد من استيفاء شروط الاستفتاء السليم، قبل طرحه للاستفتاء. ويتحمل رئيس المجلس الوطني ومكتب رئاسة المجلس واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي المسؤولية الكاملة عن الوصول الى هذا الوضع المتدهور الذي أسلم القرار لفرد او مجموعة ضيقة ثبت عجزها وتقصيرها.

وتتحمله كذلك جميع الفصائل وقواعدها الشعبية، وخاصة فتح، لأنها لم تتحرك في ما سبق بفاعلية لدرء الخطر، واذا هي لم تحرك الشارع الفلسطيني الآن لتصحيح الاوضــــاع بالعـــودة الى الشرعية الفلسطينية وترحيل من اوصلوا القضية الى هذا المأزق.

2 ـ فجأة هبت رياح الثورة في الوطن العربي فأطاحت بأقوى حليف لاسرائيل وللرئيس الفلسطيني المنتهية مدته، رئيس مصر ونظامه، ودق جرس الانذار لكل من يتحدى ارادة الشعوب في التغيير واسترداد الحقوق. ارتبكت الامور، خاصة في الساحات الاسرائيلية والامريكية والفلسطينية الرسمية، واصبح لا بد من التحرك قبل أن يصل المجهول الذي حتما سيكون غير ما مضى، في الساحة المؤثرة والمتأثرة، الساحة الفلسطينية. إزاء هذا الوضع، فجأة أيضا يتحرك الرئيس الفلسطيني، وليس الاسرائيلي او الامريكي، بتبني خطوتين: الاولى اعلان استعداده لزيارة غزة، ليس للإصرار على حماس للتوقيع على وثيقة المصالحة بالصيغة التي اعدها الوسيط المصري سابقا كما فعلت فتح من قبل، وانما لتشكيل حكومة تكنوقراط يرضى بها الجميع. أما الخطوة الثانية فكانت دعوة لجنة الدستور لاستعادة نشاطها.

3 ـ لا ندري من أشار على الرئيس الفلسطيني لاتخاذ الخطوتين المذكورتين. ولكن لا نستبعد أنهما مرتبطتان بالموعد المضروب لاعلان قيام دولة فلسطين وفقا لمخطط رئيس وزراء سلطة رام الله، وبالذهاب للاعتراف بهذه الدولة لمجلس الأمن، حيث الفيتو والشروط الامريكية، بدلا من الجمعية العامة، حيث التأييد للحقوق الفلسطينية. وتنفيذ هذه الخطة يتطلب وجود حكومة فلسطينية واحدة، فجاء الاستعداد لزيارة غزة والتخلي عن بحث المصالحة، والاكتفاء بتشكيل حكومة تكنوقراط تحقق المطلوب، وهو استبعاد حماس من موقع القرار والشرعية كحكومة، واستمرار الالتزام بما سبق من تفاهمات واتفاقيات.

4 ـ أما إحياء لجنة الدستور فالهدف منه، فيما نعتقد، ايجادُ أداة فلسطينية يمكن تضمينُها الشروطَ المطلوبةَ امريكيا/اسرائيليا لاعتراف مجلس الامن بدولة فلسطين. وليس أقوى لذلك من استفتاء على دستورٍ عصريٍّ في مبادئه ونظامِِ الحكمِ فيه ، ولكن يجري التلاعبُ ببعض نصوصه بحيث تَضْمن، عند التفسير والتطبيق، ما تريده اسرائيل. بهذه الطريقة يُلزم الشعب الفلسطيني نفسه بنفسه، وتحصل اسرائيل على ما تريد، ويحصل الشعب الفلسطيني على اعتراف بدولته من مجلس الأمن في حدود عام 1967 كما يريد، ويعلن الشعب الفلسطيني في هذا الدستور انتهاء مطالبه، كما تريد اسرائيل، وتنتهي المشكلة. ولنا تجربة في هذا النوع من التلاعب بالنصوص الدستورية، حيث جرت محاولة لتوريطنا باستشارتنا في نصوص عادية مع إخفاء نصوص كان قد اضافها الامريكيون (اي الاسرائيليون).

ولكننا استطعنا التدخل، قبل وقوع الضرر، بمقال نشرناه في ‘القدس العربي’ بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2003 عنوانه ‘مشروع الدستور الفلسطيني: هل هذا وقته؟’ اعترضنا فيه من حيث المبدأ على توقيت اعداده والاستفتاء عليه في ظل الاحتلال. ومما جاء فيه ‘إنه لا يبدو أن هناك مبررا منطقيا أو عمــــليا لهذا الاصرار على دستور في الظروف الراهـــنة الا إذا كان وراء هذه الخطــــوة هدف لا نعرفه، وفي هذه الحالة يجب على القيادة الفلسطينية اعلانه بوضــــوح ليكون تحت النظر والنقاش، ويقتنع المواطنون بضرورة هذه الخطوة’.

وأوقِفَت المحاولة في ذلك الوقت. ونحن ننبه لهذا، خاصة أن النصوص الملغومة قد تضاف قبيل الاستفتاء، بعد الانتهاء من المشاورات الروتينية والاطمئنان على سلامة النصوص نتيجة لثقة الناس فيمن وضعوها أو قيل إنهم استشيروا بشأنها، وتكون قد أخفيت عنهم.

5 ـ وسابقة الاستفتاء على معاهدة السلام الساداتية مع اسرائيل مثال بارز على امكانية وكيفية التحايل على ارادة الشعب عن طريق استفتاء ظاهره سليم، ولا تُكتَشفُ عوراته الا عند التدقيق. ولتجنب ذلك باستغلال جهل الشعب عامة في فهم النصوص القانونية، فإن ما عرض على الاستفتاء لم يعرض مسبقا على مجلس الشعب، كما أن الدستور الفلسطيني المقترح لن يعرض اولا على المجلس الوطني للتدقيق فيه قبل الاستفتاء.

6ـ إننا ما زلنا عند رأينا من أنه لا يوجد اي مبرر منطقي أو عملي لاستئناف النشاط في اعداد هذا الدستور، وإذا كانت قد جدت أسباب جدية تستدعي من الآن إعداد دستور لن ينفذ الا بعد قيام الدولة الفلسطينية وانتهاء الاحتلال فإن من حق الشعب الفلسطيني أن يعرف هذه الاسباب وأن تناقشها مؤسساته الدستورية ويقتنع بها، خاصة أن أمورا كثيرة قد جرت منذ عام 2003 حتى اليوم، وكلها لا تدعو الى الاطمئنان.

7 ـ لنأخذ نصا يتكرر في الدساتير، وخاصة دساتير الدول الناشئة، وهو أن الدولة تعترف وتلتزم بالاتفاقيات والالتزامات التي ارتبطت بها قبل قيامها، والرئيس الفلسطيني يصر على التمسك بكل الاتفاقيات والتفاهمات التي تمت، فيكون نص كهذا مستجيبا لطلبه في تطبيقه بالنسبة للشعب الفلسطيني، وهو في العادة، نص في غاية البراءة ولا يثير استغرابا ولا يلفت النظر لأنه لن يشير الى اسرائيل أو اية دولة أخرى، ولكنه في غاية الخطورة بالنسبة للشعب الفلسطيني عند التفسير والتطبيق. مثلا القيادة الفلسطينية (والمبادرة العــــربية) تريد اعترافا بدولة فلسطين في حدود عام 1967، مع أن الرئيس الامريكي الابله جورج دبليو بوش قد كشف بان هذه خدعة كبرى، وانه لا رجوع الى تلك الحدود، حيث أن المفاوضين الفلسطينيين ومعهم العرب قد وافقوا على ادخال تعديلات ‘طفيفة’ على الحدود، كما وافقواعلى تبادل للاراضي وعلى شروط هذا التبادل بان تكون الاراضي المتبادلة متساوية في المساحة والقيمة. بناء على هذا أصبح تعديل الحدود وتبادل الاراضي بديلا ممكنا للعودة الى حدود عام 1967، وطبقته الادارة الامريكية في رسالة التطمينات التي ارسلها بوش لرئيس الوزراء الاسرائيلي شارون بشأن ضم الكتل الاستيطانية لاسرائيل.

8ـ بعد استفتاء يوافق فيه الشعب على الدستور المقترح طمعا في الحصول على دولة، يأتي الوقت لتعيين حدود الدولة الوليدة، وهذه قضية ستخص الطرفين فقط: دولة اسرائيل ودولة فلسطين. في هذه اللحظة ستشير اسرائيل الى المادة هذه الواردة في الدستور الفلسطيني وتصر على احترامها وتطبيقها بشأن الحدود، وذلك بادخال تعديلات ‘طفيفة’ عليها وباجراء تبادل للاراضي بالمعايير التي سبق الاتفاق عليها، حيث أن إزالة المستوطنات وهدم الجدار امران مستحيلان من الناحية العملية على الأقل.. وتطبيقا لذلك فإنها تعتبر حدودها الجدار الذي شيدته، وأنها على استعداد لمبادلة للاراضي تساوي في المساحة والقيمة ما ضمته من اراض، بما في ذلك القدس بأكملها، وأنها تسهيلا للاتفاق، مستعدة لدفع ثمن هذه الاراضي وفقا لمساحتها وقيمتها بدلا من إضاعة الوقت في التفاوض حول اختيار الاراضي التي ستجري مبادلتها. هذا هو الموقف الذي من المنتظر ان تتبناه انسجاما مع النظرية الصهيونية التي توجب استرداد فلسطين بكاملها. ماذا سيكون الرد وقد وافق المفاوض الفلسطيني على ادخال الوطن في سوق العقارات؟ لا يكون هناك جدوى من الرفض لأن اسرائيل تحوز بالفعل وتعمل على حيازة كل الاراضي التي تريدها، في حين أن الجانب الفلسطيني لا يحوز شبرا واحدا من بديلها، ولا يستطيع حيازة اي شبر الا بموافقة اسرائيل. وسينتهي الأمر إما بالتسليم للموقف الاسرائيلي وقبض الثمن مقابل الوطن، أو رفضه واستئناف النضال بعد التخلي المتعمد عنه. وتطبق القاعدة ذاتها على حق العودة الذي تخلت عنه وثيقة جنيف. كما ستطبق على التفاهمات الاخرى التي لا يعلم الشعب الفلسطيني شيئا عنها. وفي جميع هذه الحالات يكون الخطا في جانب الشعب الفلسطيني اذا هو اخل بما هو متفق عليه، وعليه أن يتحمل النتائج.

9ـ ولا بد من الاضافة بأن اسرائيل ستطالب، بتنفيذ ما جرى الالتزام به، وميزة ورود النص في الدستور أنه يكتسب قوة الالزام به عن طريق الاستفتاء. هذه نتيجة الاعتماد على الفهلوة وذرابة اللسان والسرية والمفاوضات، بدلا من التمسك بالشرعية وسلاح القانون والفهم والتحليل الدقيقين. والمخرج الفلسطيني الممكن والصعب ليس مزيدا من التمسك بجميع التفاهمات والاتفاقيات، وإنما التحلل منها جميعا لسبب قانوني واضح، وهو عدم التزام الطرف الآخر به، ولسبب واقعي هو انها جميعها جاءت ضد المصلحة الوطنية الفلسطينية.

10 ـ وختاما إننا ندعو الى رفض مناورة إحياء لجنة الدستور، فوجود دستور ليس ضرورة قانونية للاعتراف بدولة فلسطين، وقد اعترفت بها الدول من غير دستور، وننبه الى الحيطة من أية مناورة أخرى، ونكرر الحاحنا والحاح غيرنا على عقد دورة مساءلة ومحاسبة وثقة من جانب المجلس الوطني الفلسطيني، ونطالب بألا يُستفتى على أي موضوع الا بعد أن يُعرض على المجلس الوطني بلجانه وكامل اعضائه وموافقته.

وأخيرا، يا شباب فلسطين، أما آنَ لهؤلاء ‘الفرسان’ أن يُرَحَّلوا؟

هنيئا لي ولكم: لقد أصبحنا مغتربين لا لاجئين

فلسطينيوا الشتات ، وربما لاحقا، فلسطينيوا مخيمات اللاجئين، يبدو أنه أصبح لهم وضع قانوني جديد ابتدعه الفكر الخلاق الذي تتميز به اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، شأنها في ذلك كشأنها في ابتكار التنازلات التي تبتكرها في مفاوضاتها مع الجانب الاسرائيلي. الحقوق ليست هي الاعتبار الأول الذي يحرك هذا الفكر الخلاق، وانما الذي يحركه هو رغبة ملحة في التبرع بالحلول التي تعين الجانب الاسرائيلي على تجاوز القانون الدولي والمشروعية، بدلا من الزامه بهما. اللجنة التنفيذية ورئيسها والمفوضين منها يتصرفون دون محاسب أو رقيب منذ انعقاد المجلس الوطني في دورة الجزائر عام 1988. ومن بين ابتداعاتها الخلاقة قرار اتخذه الرئيس محمود عباس المنتهية مدته بتاريخ 29/12/2007 بانشاء دائرة في اللجنة تسمى “دائرة شؤون المغتربين”.

ووفقا لما جاء في موقع الدائرة على الشبكة الالكترونية وهو http://www.pead.ps فإن الرئيس محمود عباس هو الذي اتخذ هذا القرار وليس في الموقع ما يدل على أن اللجنة التنفيذية هي التي اتخذته، كما يتطلب النظام الاساسي لمنظمة التحرير. واذا كان للرئيس او اللجنة التنفيذية أن يتصرفوا في القضية الفلسطينية حسب هواهم، فإنه لا بد من التذكير بأنه ليس من اختصاص هؤلاء المساس بالوضع القانوني والوطني لفئة من أبناء الشعب الفلسطيني دون علمهم وبالتالي دون موافقتهم. ومن الواضح من موقف كبير المفاوضين الفلسطينيين، كما كشفت عنه الوثائق التي حصلت عليها قناة الجزيرة، أن فلسطينيي الشتات لن يكون لهم دور حتى في استفتاء نهائي حول الموضوع. كبير المفاوضين اصبح وصيا على فلسطيني الشتات القُصَّر، يقرر سيادته ما يراه بشأنهم وعليهم قبوله والانصياع له.

وبموجب هذا القرار الرئاسي فإن الدائرة تعنى بشؤون “المغتربين” في بلدان الهجرة والاغتراب. ويغطي نشاطُ الدائرة هؤلاء”الغتربين” باستثناء أؤلئك الموجودون في مناطق عمل وكالة غوث اللاجئين (الانروا)، “وتحديدا في البلدان العربية التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين”. غير أنها في عملها تنسق مع دائرة شؤون اللاجئين ومع ممثلي فلسطين في الخارج. كما إن الدائرة هذه تشارك في اجتماعات جامعة الدول العربية ذات الشأن والصلة بالجاليات العربية في الخارج، على حد قول الدائرة في موقعها.

للدائرة كما قلنا موقع على الشبكة الالكترونية، ولها عنوان الكتروني ولديها هاتف وفاكس، ومن المفيد الرجوع الى ذلك الموقع للتعرف عليها وعلى ما قامت وتقوم به من نشاط. وقد دخلت على هذا الموقع بتاريخ 21 يناير/ كانون الثاني 2011 فلم أجد فيه لا نص القرار الذي أنشأ الدائرة للتعرف على سلامته من حيث الاختصاص في اصداره أوالمشمولين به وأحكامه بدقة بالرجوع الى النص ذاته، وتاريخ بداية نفاذه الى غير ذلك من الامور التي تفيد علما بالدائرة واخصاصاتها وهياكلها وعضو اللجنة التنفيذية المسؤول عنها باعتبارها دائرة من دوائر منظمة التحرير. على أي حال إن الذي يهمنا في هذا المقال هو ما وجدناه في الموقع من تحديد للفئة من ابناء الشعب الفلسطيني التي يفترض أن تكون محل رعاية واهتمام هذه الدائرة، وهي فئة ابتدعها القرار الرئاسي المنشء لها، وهذا موجود في الموقع، وهي فئة اسماها القرار بِ “المغتربين”. وهذا أخطر ما في القرار: اسمها والفئة التي تقع ضمن اختصاصها .وليس في الموقع اشارة الى نشاطات قامت بها هذه الدائرة كمؤشر عملي على تنفيذ الهدف من انشائها منذ تأسيسها قبل أربع سنوات، بحيث يمكن الحكم على جدوى وجودها أصلا وفعاليتها فيما أنشئت من أجله. وبالمثل ليس في الموقع ما يعين على ما تقدم من نشاط للدائرة بقيام تنسيق بين هذه الدائرة ودائرة شؤون اللاجئين أو ممثلي فلسطين في الخارج أو مع جامعة الدول العربية. لا شيء عن أي نشاط مع هذه الجهات أو أي نشاط آخر منذ تأسيسها قبل أربع سنوات حتى 15/1/2011.

في هذا التاريخ كتبت الدائرة تعميما وزعته على “الاخوة والرفاق قيادات الجاليات الفلسطينية” في أوروبا، وذلك “لعقد اجتماع موسع في بيت لحم أو رام الله (حسب عدد المشاركين) في النصف الثاني من أيار (مايو) المقبل، للتباحث في أوضاع جالياتنا ودورها سواء في بلدان اقامتها أو في علاقتها مع الوطن ومع المجتمعات الفلسطينية التي هاجرت منها وتحديدا مخيمات اللجوء في الاردن، لبنان،سورية”. وذكر التعميم أن “فكرة هذا الاجتماع الموسع كانت مطروحة على جدول أعمال الدائرة منذ فترة ليست بالقصيرة وأنها نوقشت مع الأخ الرئيس أبو مازن وقد رحب بها وأبدى موافقته على استضافة المشاركين في الاجتماع واعطاء التوجيهات الى الجهات المعنية لتسهيل دخولهم الى الوطن واقامتهم خلال فترة انعقاد الاجتماع.” التعميم لا يحمل توقيعا أو اسما لأحد مسؤول. وقد وصلني من أحد القياديين الشباب في الشتات الاوروبي مستغربا اختيار اواسط مايو/أيار موعدا لانعقاد المؤتمر الي دعت اليه الدائرة ليتصادف مع موعد انعقاد مؤتمر لللاجئين في المخيمات وللشتات في أحد المخيمات كان هذا القيادي من المنظمين له ويشمل أيضا اللاجئين في سوريا والاردن ولبنان.

والحقيقة أنني فوجئت مثله بخطاب كهذا وكانت نصيحتي عدم الاكتراث به والمضي في ترتيبات عقد المؤتمر الذي كانوا قد قرروه والذي جاء بمبادرة من الشباب المنظمين له. فالواضح من اختيار الموضوع والتوقيت بالذات أن الهدف هو اجهاض هذا المؤتمر، أي هو تكرار لمحاولات سابقة تعرضت لها مبادرات فلسطينيي الشتات لاجهاض المبادرات الشعبية، وهذا ما ارفضه من حيث المبدأ، وها نحن نرى هذا التحرك الرائع للشعب التونسي الحبيب لتصحيح الاوضاع في تونس، والشعب الفلسطيني في حاجة لتحرك متواصل لفرض ارادته على استقلال من اشخاص يدعون أنهم يمثلونه وانحرفوا انحرافا خطيرا عن حقوقه، ومن بينها هذا التصنيف لابناء الشعب الفلسطيني. وقد سرني أن هؤلاء الشباب قد واصلوا ترتيباتهم لعقد مؤتمرهم. إن دائرة تستغرق اربع سنوات لتقرر الاتصال المبدئي بمن تأسست خصيصا للاهتمام بشؤونهم وتتعمد اجهاض مبادراتهم الوطنية غير جديرة بالالتفات اليها. ودائرة تقرر عقد مؤتمر من هذا القبيل تحت أعين المحتل ومراقبته وسيطرته الكاملة هي ولا شك دائرة قد دجنها الاحتلال وتتعامل معه على أساس أن كل اوراقها مكشوفة له، وتريد الآن أن تكشف اوراق قيادات الشتات الفلسطيني. ثم هل يملك الاخ الرئيس اصدار تعليمات لتسهيل دخول المشاركين الى ارض الوطن وهو لا يملك تأمين دخوله هو الى ارض الوطن؟ الاذن ياتي من سلطة الاحتلال وليس للرئيس سلطة عليها ليصدر لها تعليمات، ونخشى في الظروف الراهنة أن يصبح مؤتمر كهذا مصيدة لقيادات الجاليات الفلسطينية الشابة للتعرف عليها ، بل واحتمال اصطياد بعضها نتيجة للتعاون الوثيق بين اجهزة الامن الفلسطينية واجهزة أمن دولة الاحتلال.

صنفان من فلسطينيي اللجوء

إن هذه الملاحظات ليست هي التي تمثل الخطر الأكبر، فشبابنا معتاد على مواجهة التحديات والاخطار، ولكن وجه الخطورة هو هذا التصنيف الجديد لفئة كبيرة جدا من أبناء الشعب الفلسطيني، هم فلسطينيو الشتات الذي يهدد ما لهم من حقوق اكتسبوها وفقا للقانون الدولي والقرارات المتكررة للجمعية العامة للامم المتحدة، وبالتالي تاسيس دائرة خاصة في منظمة التحرير تعنى بشؤونهم كَ”مغتربين”، منفصلة عن دائرة قائمة وموجودة كان من المفترض انهم يتبعون لها وهي “دائرة شؤون اللاجئين”. إن معنى هذا أنه لدينا صنفان من الفلسطينيين خارج ارض الوطن: مغتربون ولاجئون. وبموجب القرار الرئاسي الذي انشأ الدائرة الجديدة فإن الذي يميز الصنف الواحد عن الآخر هو أن اللاجئين هم فقط من تشملهم رعاية وكالة الغوث وتحديدا المقيمون في الدول العربية سوريا ولبنان والاردن، وهؤلاء يتبعون لدائرة شؤون اللاجئين. أما غيرهم فهم مغتربون وبالتالي فإنهم لا يدخلون في اختصاص دائرة شؤون اللاجئين ولهم بهذه الصفة دائرتهم الخاصة وهي دائرة شؤون المغتربين. كما يستفاد من الموضوع المطروح بحثه في المؤتمر الذي دعت اليه الدائرة انه يشمل بحث العلاقات بين هؤلاء المدعوين من الشتات “ومجنمعاتهم التي هاجروا منها، وتحديدا لبنان والاردن وسوريا”. هذا تصنيف جديد إضافي هو “الفلسطينيون المهاجرون من مخيمات لبنان والاردن وسوريا”، هذا الصنف يعتبر في عداد المغتربين ولم يعودوا يصنفون كلاجئين بسبب مغادرتهم المخيمات التي كانوا فيها، وانقطاع تبعيتهم لوكالة الغوث من جهة ودائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى. وتأكيدا لهذا فإن دائرة شؤون المغتربين هذه تشارك في اجتماعات الجامعة العربية المتعلقة بالمغتربين العرب. وهؤلاء المغتربون العرب لا يصنفون في بلدانهم على أنهم لاجئون. والنتيجة التي نخلص اليها هي أن القرار الرئاسي الفلسطيني يؤدي الى إخراج هؤلاء الفلسطينيين من حالة اللجوء ويحرمهم من أهم حق للاجئ وهو حق العودة. ونعتقد أن هذا هو الهدف من وراء انشاء هذه الدائرة، وجاء التلاعب بالاصطلاحات باستعمال عبارة”مغترب” بدلا من لاجئ وسيلة للتأكيد على هذا الهدف. وفَنُّ التلاعبِ بالالفاظ فَنٌَ اتقنته الحركة الصهيونية الى ابعد الحدود، ولا نستبعد أبدا أنه دخل القاموس السياسي الفلسطيني الذي تمارسه اللجنة التنفيذية في لحظة من لحظات الابداع الخلاق التي تهبط على مبدعيها عندما يبحثون عن مخرج يساعد في تلبية الموقف الاسرائيلي، ولا نستبعد أن هذا الالهام قد جاء عند بحث موضوع حق العودة واختصار العدد الذي قد يُسْمَحُ له بممارسة هذا الحق الى الصفر الذي أعلنته ليفني.

إن هذا التصنيف من جانب منظمة تمثل الشعب الفلسطيني ويكرر القائمون على أمرها تمسكها بحق العودة لا يخدم سوى المصلحة الاسرائيلية وهو من بين الاسلحة التي تسلمها المنظمة لاسرائيل وأنصارها للتنكر لهذا الحق. من مواقفها؟

مفهوم الاغتراب

الاغتراب في الاستعمال العربي المعاصر يعني الهجرة الى بلد آخر باختيار المواطن. وقد عرف الفلسطينيون هذا النوع من الاغتراب ايام الانتداب البريطاني بل وقبله حين هاجر فلسطينيون الى امريكا اللاتينية وامريكا الشمالية طلبا للرزق، وبعضهم استقر هناك، والبعض الآخر عاد الى فلسطين مستفيدا من هجرته للمساهمة في بناء الوطن. الهجرة أو الاغتراب كانت خيارية وكانت العودة خيارية ومتاحة ايضا. وهذا هو شأن المغتربين العرب. فمثلا اللبنانيون الذين هاجروا الى ساحل العاج في افريقيا واستقروا هناك باختيارهم عاد قسم منهم مؤخرا الى لبنان، وطنهم الأم، بسبب المشاكل الحالية في ذلك البلد الافريقي، عادوا بدون مشاكل أو اجراءات عودةََ المواطن الى وطنه، واستُقبلوا بالترحاب في وطنهم لبنان. وفي بعض الاحيان يكون لهؤلاء المغتربين الحق في المشاركة في الانتخابات النيابية التي تجري في أوطانهم حتى وهم في بلد الاغتراب. ولا يشترط في المغترب أن يحصل على جنسية الدولة التي يقيم فيها، كما أنه لا يفقد حُكْمَاً صفته كمغترب، من منظور الوطن الام، باكتساب هذه الجنسية أو بالحصول على اقامة دائمة في البلد الذي يغترب اليه، ما دام أن بلد الاصل يعترف به كمغترب. في هذه الحالة الاغتراب هي نسبة الى الوطن الأم وليس للدولة التي اكتسب جنسيتها. وكثير من دول العالم تعترف بازدواج الجنسية اقرارا باستمرار الارتباط بالوطن الآصل.

“المغتربون” الفلسطينيون

هل فلسطينيو الشتات “مغتربون”؟ واذا كانوا كذلك فما هو الوطن المغتربون عنه؟

نلاحظ أولا نقطة هامة عن تسرب الالفاظ ذات الدلالات البعيدة والتي قد لا يلاحظها الانسان العادي ولكن لها دلالاتها القانونية أو النفسانية العميقة الأثر. وأكثر من أجاد هذا وأبدع فيه هو الدعاية الصهيونية والاسرائيلية. فمثلا عندما بدأت اسرائيل عمليات اغتيال الناشطين الفلسطينيين وأخذت الصحافة العالمية تتحدث عن “الاغتيال” الذي هو حقيقة ما تفعله اسرائيل، تحرك دهاة الاعلام الاسرائيليون واخترعوا بدلا من هذا التعبير عبارة “”targeted killing أي “القتل المستهدف” وهو تعبير أخف اثارة ومدلولية من “الاغتيال” أي “assassination”. وفي عملية غسل دماغ قوات الامن الفلسطينية على يد الجنرال الامريكي واعوانه الاسرائيليين توقفوا عن وصف مناضلي حركات المقاومة الفلسطينية بالارهابيين وأصبحوا يوصفون بالمتطرفين أو الخارجين على القانون. وهذه العبارات دخلت قاموس السلطة ورجالاتها فأصبح الجميع يتحدث عن الخارجين على القانون عندما يعتفلون مفاوما، لأن عبارة “مقاوم” أو “رجال المقاومة” تنطوي على وجود الاحتلال وبما يجب أن يواجه به. اما “الخارج على القانون” فقد يكون من ارتكب مخالفة سير او ارتكب جريمة سرقة، والمجتمع يقف ضد من يخرج على القانون، ولكنه يقف مع من يقاوم الاحتلال. وكذلك الامر بالنسبة لعبارة “المتطرفين” و “التطرف”. هذه الفلسفة في التلاعب بالالفاظ يبدو أنها أخذت تستقر في استعمالات السلطة للغة.

لقد أشرنا الى الغرض الذي من أجله وجهت دائرة شؤون المغتربين تعميمها لقيادات الجاليات الفلسطينية. هذا الغرض يشمل بحث العلاقات بينهم وبين تجمعات المخيمات “التي هاجروا منها”، وتحديدا الاردن ولبنان وسوريا. لاحظ استعمال عبارة “هاجروا” ولاحظ المكان الذي نسبت الهجرة منه. عبارةٌ تبدو بريئة وصالحة للتعميم، غير أنها عامرة باحتمالات التطوير. الانسان يهاجر من وطنه، ولكنه لا يعتبر مهاجرا اذا غادر محل اقامةٍ مؤقتة او تواجدٍ خارج هذا الوطن. العبارة مختارة بعناية دون شك، واستعمالها في دعوة صادرة من دائرة شؤون المغتربين ينسجم مع اختصاص هذه الدائرة ويؤكد ان استعمال عبارة “هاجروا” متعمد.

الفلسطينيون الذين غادروا مخيمات اللجوء لم “يهاجروا” أو “يغتربوا” منها بالمفهوم الواقعي او القانوني، حيث أن المخيمات ليست قانونيا أو واقعيا نقاطَ استقرار تكسب المقيمين فيها حق اقامة دائمة وعودة اليها بحرية واختيار. فالوجود فيها عمل انساني من جانب الدولة المضيفة لا يُكسِبُ المقيمَ حقوقاً قانونيةً أو طبيعية، كما هو حال المواطن، لتكون مغادرته لها هجرةً منها. المخيماتُ هي، في الاصل، نقاطُ انطلاقٍ لتنفيذ حقه في العودةِ للوطن الذي ارغم على مغادرته، وليست وطنا يٌهاجَرُ منها، وانما غادروها لملجأ آخر.

تصنيف فلسطينيي الشتات

من الواضح من تعريف “المغترب” الذي سبق أن أشرنا اليه انه لا يصح اطلاقا تصنيف فلسطينيي الشتات بأنهم مغتربون، سواء كانوا ممن غادروا مخيمات لجوء كانوا هم أو ذووهم قد لجأوا اليها، أو من غيرهم من من لم يدخلوا في اختصاص وكالة الغوث. إنهم لاجئون، وليس المعيار هو الوجود في المخيمات،حيث أنهم ما زالوا محرومين من العودة الاختيارية الى ذلك الجزء من وطنهم حيث كانت اقامتهم المعتادة، والاستقرارِ فيه. إن هذا التصنيف الفلسطيني للفلسطينيين من جانب من يدعون تمثيله بأنهم “مغتربون” يخرج الملايين منهم من التصنيف الطبيعي والقانوني لهم كلاجئين سيتمسك به العدو الصهيوني في الانقضاض على حقهم في العودة.

الى أين تكون العودة

إن تصنيف فلسطينيي الشتات بمغتربين بموجب هذا القرار الرئاسي ينسجم تماما مع وثيقة جنيف التي أبرمها الامين العام للجنة التنفيذية مع الاسرائيلي يوسي بيلين وتم التوقيع عليها في احتفال رسمي في مدينة جنيف والتي بموجبها تم التخلي الكامل عن التعريف القانوني الذي اعتمده المجتمع الدولي في دورات متكررة للجمعية العامة للامم المتحدة، وهو عودة اللاجئ الى بيته الذي طرد منه،واعطاء تفسير جديد له بأنه عودة الى اراضي الدولة الفلسطينية التي سيتفق عليها والتي هين على أي حال، في تناقص مستمر. وكشفت الوثائق التي عرضتها فضائية الجزيرة ان السيد كبير المفاوضين الفلسطينيين قد صرح بان ممارسة حق العودة حتى بهذه الصورة المشوهة ليس مطلقا وانما يخضع لشروط أهمها القدرة الاقتصادية للضفة على الاستيعاب. ومن المفيد أن نذكر من تناسوا أن اتفاقيات أوسلو قد نصت على عودة لاجئي 1967 الى الضفة ونصت على تشكيل لجنة فلسطينية مصرية اردنية اسرائيلية مشتركة لتنفيذ هذا الجانب من الاتفاق، ومرت السنوات ولم يحدث شيء ونسيت السلطة ورئيسها واللجنة التنفيذية والمفاوضون هذا الموضوع، ولم يتمسكوا بتنفيذه قبل الحديث عن حقوق اللاجئين الآخرين.
والخلاصة

أولا، إن القرار الرئاسي ووثيقة جنيف التي أبرمها الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تصرفان ثابتان من تصرفات هؤلاء المسئولين وليسا من بين وثائق فضائية الجزيرة، ولا يطعن فيهما بالتزوير، وهما وثيقتان تشهدان على محاولات للتخلي عن حق العودة أو الانتقاص منه على أقل تقدير.

ثانيا : إن انشاء هذه دائرة شؤون المغتربين بالتلاعب على الالفاظ هو خطوة تنفيذية متعمدة تخليا عن حق العودة بداية بالنسبة لمن سموا بالمغتربين ثم بالنسبة لجميع اللاجئين، وهي خطوات تنسجم تماما مع سياسة اسرائيل في رفض عودة أي لاجئ ومع نصوص وثيقة جنيف سيئة الذكر. ولذا فاننا ندعو الرئيس الى الغاء قراره بانشاء هذه الدائرة وابقاء التعامل مع فلسطينيي الشتات ضمن اختصاص دائرة شؤون اللاجئين كما كان الحال قبل صدور هذا القرار الخطير.

هذا ثالثا: من الواضح أن الرئيس والمفاوضين واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قد أصابهم جميعا الاعياء ويكفي ما وصلت اليه الامور على ايديهم. وليس عيبا أن يعترفوا بأن هذا هو قصارى ما يستطيعون الوصول اليه، وان واجبهم الوطني يفرض عليهم جميعا التخلي عن مواقعهم وافساح المجال لغيرهم. والتزاما بهذا فإننا نكرر دعوتنا للرئيس واللجنة التنفيذية ورئيس المجلس الوطني أن يقوموا بدعوة المجلس الوطني للاجتماع ليمارس دوره في المساءلة وفي انتخاب اعضاء جدد للمجلس وفقا لنظامه الداخلي وانتخاب لجنة تنفيذية جديدة ورسم سياسة للمنظمة تاخذ في الاعتبار جميع التطورات ووتصحح الانحرافات او الاجتهادات لحماية حقوق الشعب الفلسطيني. إن اجتماعا من هذا النوع لا يجوز اطلاقا عقده في رام الله كما حصل عند ملء شواغر اللجنة التنفيذية او في اي مكان آخر في الضفة أو القطاع تحت حراب الاحتلال ومخابراته والحصار والاتفاق الامني الاسرائيلي وما ينطوي عليه كل ذلك.

ورابعا: أين هي الفصائل وأعضاؤها وقواعدها في الداخل والخارج، إن كان ما زال لديها أعضاء وقواعد؟ هل ينحصر دورها في اصدار البيانات؟ لماذا لا تتحرك هذه القواعد للتصدي لما يجري؟ لماذا،فيما يتعلق بانعقاد المجلس الوطني، تترك الامور في يد الرئيس أو يد رئيس المجلس الوطني لعقد اجتماع للمجلس الوطني في حين أن النظام الاساسي للمجلس الوطني يجيز لربع اعضائه الطلب الى رئيس المجلس دعوة المجلس للاجتماع في موعد ومكان يحددان في الطلب، واذا لم يقم رئيس المجلس بتوجيه هذه الدعوة ينعقد المجلس حكما في المكان والموعد المحددين في الطلب؟ الا تستطيع هذه الفصائل الحصول على توقيعات ربع اعضاء المجلس لتقديم الطلب والتغلب على حالة الجمود والاستقصاء التي فرضت على المنظمة؟ لقد توجهنا بهذا النداء قبل مدة على صفحات هذه الجريدة تفعيلا للشرعية الفلسطينية للخروج من ازمة الجمود الحالية. ومع ذلك لم تتحرك هذه الفصائل وبقيت تشكو من عدم تنفيذ الرئيس بما التزم به من تفعيل مؤسسات المنظمة. ويبدو أن الرئيس، كغيره من رؤساء في الوطن العربي، لا يقلقه عدم الالتزام بالشرعية، وأن الفصائل قد شاخت وفي حاجة الى تجديد شبابها.

لا لتزوير التاريخ إرضاءاً لاسرائيل وأمريكا

أولا: القضية

أَكَّدَ مقالٌ علمي موضوعي نُشِرَ على موقع وزارة الاعلام في السلطة الفلسطينية عُمْقَ الحساسية الامريكية والاسرائيلية لكل ما يطعن أو يشكك في صحة رواية تاريخ فلسطين وتراثها ومقدساتها كما وردت في الاساطير الاسرائيلية المتوارثةِ المسيطرةِ على عقولِ الاسرائيليين وعقول الكثيرِ ممن يسمون بالمسيحيين الجدد، خاصة في أمريكا. كاتب المقال هو الدكتور المتوكل طه، وكيلُ وزارة الاعلام في السلطة الفلسطينية، وعنوانه “حائط البراق”، ونشر في موقع الوزارة بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2010. وكان موضوعُ البحث ملكيةَ هذا الحائط. وبهذا التحديد لطبيعة السؤال يكون البحث قانونيا تاريخيا بامتياز وابعد ما يكون عن السياسة. ومع أنه يبدو أن الدكتور المتوكل ليس من رجال القانون ، الا انه في بحثه استند على مرجع لا يرقى أدنى شك الى سلامته القانونية.

يقول المؤلف، “يدعي الاحتلال الاسرائيلي، زورا وبهتانا، ملكيته لهذا الحائط الذي يسميه بِ ‘حائط المبكى‘أو ‘الكوتيل‘”. ويصف الكاتب مقاله بحق بأنه “يوضح بشكل علمي وموضوعي ونزيه أحقية المسلمين بهذا الحائط، الذي سيبقى حائط البراق، والذي لا يحق لأحد أن يتماهى مع الصهيونية في ادعائها بملكيته، أو أن يتنازل عنه تحت أي ذريعة أو دعوى”.

وكان المؤلف منصفا لنفسه وللتاريخ في هذا التقييم لمقاله، حيث أنه لم يأت بجديد من عنده، يمكن الاعتراض عليه، وانما اعتمد اعتمادا كليا على تقريرٍ للجنةٍ دوليةٍ شكلتها عصبة الامم عام 1930 للتحقيق حصراً في حقوق المسلمين واليهود في الجدار، وذلك بعد اشتباكات دامية وقعت بين الطرفين وكانت محل تحقيق مستقل من جانب لجنة شكلتها حكومة الانتداب على فلسطين، بريطانيا، في ذلك الوقت وعرفت باسم “لجنة شو”. وهذه اللجنة المستقلة التي حققت في الاشتباكات اوصت بتشكيل لجنةٍ دوليةٍ تعتمدها عصبةُ الامم، لتقرير حقوق الطرفين، المسلمين واليهود، في الجدار حسماً للخلاف بصورة نهائية بحيث يعرف كل طرف حقوقه بناء على تحقيق دولي مستقل لا مجال للطعن فيه. وهكذا كان. درست اللجنة موضوع ملكية الحائط، وحققت فيه تحقيقا قانونيا سليما استمعت فيه لممثلي الطرفين ولممثلٍ لحكومةِ الانتداب، وتوصلت الى نتائج أورد المؤلف في مقاله جانبا منها، وكان من بينها أن ملكية الحائط والرصيف الذي أمامه تعود للمسلمين فقط وليس هناك أي حق عيني، مهما كان، لليهود في الجدار. فالدكتور المتوكل لم يبتدع موقفا جديدا وانما أكد وضعا قانونيا اعتُمِدَ دوليا ولم يعد محل جدل أونقاش أو طعن.
ومما يؤيد سلامة موقف المؤلف، وسلامة ما خلصت اليه اللجنة في تقريرها ، أن اللجنة صرحت في عرضها لمواقف الطرفين أن ممثلي الجانب اليهودي لم يدعوا ملكية الحائط ولم يطالبوا بها، على أساس أن ملكية المقدسات هي لله وليس للبشر، وطبيعي، والحالة كذلك، أنهم لم يطلبوا من اللجنة أن تفصل في ادعاء كهذا، ولم يقدموا دليلا عليه. كما أنه تعالى لم يكن طرفا في الدعوى لتسمع أقواله. ولو كان لدى الجانب اليهودي ادنى دليل على ملكيتهم للحائط لما ترددوا في تقديمه ولما أدعوا بأن الملكية هي لله. وبالرغم من هذا الموقف للجانب اليهودي فقد قررت اللجنة أن تحسم الموضوع وتحقق في ملكية الحائط وتقررها.

ثانيا: خصائص اللجنة

من المهم أن نلاحظ أنه لم يكن هناك مؤشر على أي احتمال لمحاباة اللجنة للجانب الاسلامي، بل العكس هو الاقرب للاحتمال، ومع ذلك كانت اللجنة نزيهة في موقفها وقرارها والتحريات التي أجرتها. ويحسن بنا أن نتذكر الآتي:

1- الجهة التي اقترحت تشكيل لجنة التحقيق هذه كانت ‘لجنة شو‘، وهي لجنة بريطانية حققت في الاحداث الدامية وأوصت بتشكيل لجنة دولية لبحث الجانب القانوني للجدار.
2- عندما طرح الموضوع على عصبة الامم بصفتها هي التي وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني والمسئولة دوليا عن مراقبة تنفيذ بريطانيا لانتدابها هذا، هي التي طلبت من بريطانيا، بناء على تقرير لجنة شو، تسمية اعضاء اللجنة وتقديم هذه الاسماء للنظر فيها من قبل عصبة الامم، واشترطت ألا يكون بين هؤلاء اي بريطاني.
3- تقدمت الحكومة البريطانية باسماء ثلاثة: سويدي وسويسري وهولندي . فوافقت عليهم عصبة الامم، وكلفتهم بالمهمة.
4- بريطانيا التي اقترحت الأسماء هي بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور المشؤوم الذي وعدت بموجبه العمل على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وعصبة الامم التي اعتمدت اللجنة هي التي أدرجت وعد بلفور في صك الانتداب وعينت بريطانيا دولة منتدبة على فلسطين لتنفيذ ذلك الوعد المشؤوم. ومؤدى هذا أنه لو كان هناك أي شك في أن اللجنة أو أي عضو من أعضائها سيكون محابيا للمسلمين في فلسطين فإنه سيستبعد من اللجنة.
5- كانت الحركة الصهيونية مسيطرة على الحكومة البريطانية وكانت الوكالة اليهودية التي تمثلها جزءا من ادارة فلسطين بموجب صك الانتداب، وبالتالي ما كان ممكنا أن تضم اللجنة محابيا لمسلمين في فلسطين، بل العكس هو الصحيح، أما الجانب الفلسطيني فقد كان مغيبا تماما عن ادارة الانتداب ولم يكن لديه جهة تعترف عصبة الامم أو بريطانيا بواجب التفاهم معها أو استشارتها.
6- حشدت الحركة الصهيونية كل ما لديها من كفاءات دينية ودنيوية لتمثيلها امام اللجنة، ومع ذلك لم تجد ما يمكن أن يدعم ادعاءاً بملكية الحائط، وكل ما وجدته الحركة الصهيونية واعتمدته اللجنة هو التسامح الاسلامي في اقامة الصلوات عند الحائط، وهذا ما استندت عليه في قرارها . وما أكثر ما دفعه المسلمون ثمنا لتسامحهم الذي ينكرونه عليهم اليوم.
7- اعتمدت عصبةُ الامم ودولةُ الانتداب، بريطانيا، التقريرَ وقامت بريطانيا بتنفيذ ما جاء فيه والتزمت به الوكالة اليهودية بصفتها ممثل الحركة الصهيونية في فلسطين طوال مدة الانتداب، ولم يطرح موضوع الحائط للجدل مرة اخرى.

يستنتج مما تقدم أن ما توصلت اليه اللجنة، والذي سننقله نصا فيما بعد، هو اقصى ما يمكن أن يكون لليهود من علاقة بالجدار، وهي علاقة قائمة على تسامح اسلامي وليس على ملكية لليهود في الجدار.
.

ثالثا: موقف المؤرخين الاسرائيليين الجدد من “التاريخ” اليهودي المزعوم

لم يتقدم ممثلو الجانب اليهودي أمام اللجنة الدولية بأي سند تاريخي تدعمه الحفريات التي كانت جارية في فلسطين حتى ذلك التاريخ، ومؤدى هذا أن تلك الحفريات لم تكشف عما يمكن أن يدعم الاساطير التاريخية العبرية. هذا الوضع لم يتغير، بل ازداد تأكيدا. فاسرائيل لم تتوقف لحظة منذ قيامها من جهة واحتلالها لبقية فلسطين من جهة اخرى عن محاولاتها في الكشف عن آثار تؤيد تلك الاساطير، خاصة في القدس ومحيطها، وبوجه أخص في منطقة المسجد الاقصى. ولم تؤد هذه الحفريات التي تواصلت منذ القرت التاسع عشر حتى اليوم الى الكشف عن أي اثر ذي قيمة، وهذا ما قرره علماء الحفريات الاسرائيليون أنفسهم.

ويكفي في هذا الشان أن نترجم جانبا مما قاله البروفيسور زءيزف هيرتسوج C. Z’e’ev Herzog من جامعة تل ابيب في مقال نشرته مجلة جريدة هاآرتس الاسبوعية بتاريخ 29 أكتوبر/تشرين الاول 1999 وهو يستعرض للقارئ العادي نتيجة الحفريات التي تمت على مدى قرن ونصف. لقد لخص تلك النتائج في الفقرة الاولى من بحثه على الوجه التالي. قال: ” هذا ما تعلمه علماء الآثار من حفرياتهم في أرض اسرائيل: لم يكن الاسرائيليون في مصر في يوم من الايام، ولم يتيهوا في الصحراء، ولم يستولوا على البلاد (أي فلسطين) بحملة عسكرية، ولم يورثوها لقبائل اسرائيل الاثنتي عشرة. وحتى ما يصعب هضمه هو أن مملكة داوود وسليمان المتحدة التي توصف في التوراة على أنها قوة اقليمية لم تكن في الحقيقية اكثر من مملكة قبلية صغيرة في أحسن الاحوال.” وقال إن هذه المعلومات منشورة على نطاق واسع ولكن عموم الاسرائيليين لا يريدون أن يعرفوا ذلك لأن هذا يحطم الاسطورة التي عاشوها وهي اسطورة الأمة التي تعيد بناء مملكة اسرائيل.

ويقول الاستاذ شلومو ساند، الاستاذ في جامعة تل ابيب في كتابه “متى وكيف تم اختراع الشعب اليهودي؟” ” لم تكن تربيتي تربية صهيونية. ولكنني، كغيري من الاسرائيليين كانت لديَّ قضيةٌ مُسَلَّمٌ بها وهي أن اليهود كانوا شعبا يعيش في يهودا الى أن نفاهم الرومان عام 70 بعد الميلاد. غير أنني عندما بدأت أدرس الادلة اكتشفت أن مملكتي داوود وسليمان كانتا اساطير”. لا يوجد دليل على النفي أو الطرد من فلسطين. بل يذهب شلومو ساند الى أبعد من ذلك حيث يقرر أن الزعماء الصهيونيين، ومن بينهم بن غوريون، مؤسس اسرائيل، كانوا يعرفون هذه الحقائق وكانوا يرون أن اليهود لم يغادروا فلسطين وانما اعتنق معظمهم الاسلام تدريجيا واندمجوا في الشعب الفلسطيني وأصبحوا جزءاً منه. أما يهود اليوم فليسوا من نسل أولئك وأن غالبيتهم هم ممن تحول الى اليهودية من شعوب أخرى كيهود أوروبا الشرقية ويهود اليمن حين كانت الديانة اليهودية مفتوحة لا مغلقة كما هو حالها منذ قرون.

لقد حفروا في كل اتجاه ونقبوا ولم يعثروا، حتى الآن على الأقل، على أي دليل على وجود الهيكل الذي يزعمونه وبالتالي على أن الجدار الغربي، حائط البراق، أو ما يسمونه حائط المبكى، كان موجودا في ايامهم وانه كان جزءا من هيكلهم المزعوم. وهاهم اليوم يحاولون اعادة صنع التاريخ بتزويره ومحو كل ما يشير لحضارات أو وجود بشري لغيرهم في فلسطين للادعاء بأنها لم تعرف غيرهم شعبا لها. بل إنهم بدأوا عملية اصطناع التاريخ. ففي النفق الذي حفروه تحت الاقصى بنوا كنيسا صغيرا، ولا استبعد أن يدعوا للسياح بأنه كنيس قديم يعود لأيام “الهيكل” المزعوم. إنهم يرفضون الاعتراف بأن القبائل العبرية التي دخلت فلسطين، هذا اذا كان قد دخلتها اصلا، كانت قبائل بدوية رُحَّلاً لا حضارة لديها ولا امكانيات مادية لبناء هيكل كالهيكل الذي يزعمون. وهاهم يسعون لنثر قطع تبدو أثرية في الاردن مثلا لِ “اكتشافها” في حفريات في المستقبل او عََرَضاً ثم الادعاء بأنها آثار قديمة كانت لهم في الاردن. واستقالت وزيرة آثار اردنية لأنها كشفت عن هذه المحاولات، وهي محاولات يؤكدها أردنيون عاديون كشفوها وقرروا بأنها تجري بشكل دائم.

رابعا: رد الفعل الاسرائيلي والامريكي : الشتائم من جهة والتركيز على ضرورة تزوير التاريخ من جهة اخرى

الذين اعترضوا على المقال من الإسرائيليين والأمريكيين تجاهلوا تماما تقريرَ اللجنة الدولية وموقفَ عصبة الامم وموقفَ حكومة الانتداب البريطانية وموقفَ الحركة الصهيونية ذاتها أمام اللجنة أولا وبعد صدور التقرير لاحقا. كما أنهم تجاهلوا تماما ما توصلت اليه الحفريات في فلسطين على مدى قرنين من الزمان، وما استنتجه علماؤهم من تلك الحفريات.

وبحسب جريدة القدس العربي الصادرة بتاريخ 2 ديسمبر/كانون الاول 2010، فإن دراسة الدكتور طه “أثارت سخط اسرائيل وانتقادها حيث اعتبرها ديوان رئاسة الوزراء الاسرائيلية دليلا على عدم جدية الفلسطينيين في أقوالهم بأنهم يرغبون حقا في تحقيق المصالحة التاريخية مع اسرائيل”. ولذا فمفهوم “المصالحة التاريخية” لدى ديوان رئاسة الوزراء هو التنكر للتاريخ والمنطق والقانون، واقامة مصالحة تاريخية مبنية على الباطل والاساطير والادعاءات الصهيونية. كما أن الصحيفة نقلت عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية للصحافيين بي.جي. كراولي قوله: “نحن ندين بشدة هذه التصريحات، ونرفضها رفضا تاما بوصفها خاطئة من منظور الواقع ولا تراعي أحاسيس الآخرين وتنطوي على استفزاز شديد”. ولماذا يدينها ويرفضها السيد كراولي، وكأنه هو الطرف صاحب الحق في الرفض أو الادانة، لأنها “خاطئة من منظور الواقع”. أي واقع يتحدث عنه السيد كراولي؟ اذا كان يعني بذلك واقع الاحتلال، فإنه موقف مرفوض من حيث المبدأ حيث أنه لا يجوز للاحتلال تغيير الوضع القانوني القائم في الاراضي المحتلة لا لمصلحته ولا لمصلحة أية دولة أخرى، هو مرفوض بالنسبة لحائط البراق كما هو مرفوض بالنسبة للمستوطنات. ولكن أمريكا تريد من الفلسطينيين والعرب الاعتراف به وبأي واقع يخلقه المحتل على الارض كما سبق لهم الاعتراف بواقع المستوطنات. إنها سياسة الخطوة خطوة التي تنبه لها الاجداد واحتاطوا لها امام اللجنة الدولية. هذا موقف مرفوض وفي غاية الخطورة من حيث دلالته.

ثم يدعي كراولي هذا أن قول الحقيقة القانونية يكون مرفوضا ومدانا اذا لم يراع أحاسيس الغاصب المحتل ويكون استفزازا له، وكأنما على الذي يرى المحتل ينتهك حقوقه ويصادرها أن يسكت حتى عن ذكر هذه الحقوق حرصا على أحاسيس المحتل وعدم استفزازه. منطق في غاية الغرابة، ولكنه ينسجم مع تصرفات السلطة واللجنة التنفيذية وقادتهما ومفاوضيهما، ويتجاهل أن الواجب الاول والحق القانوني والانساني والتاريخي لكل من يُعتدَى عليه هو التمسك بحقوقه ومقاومة الاعتداء، لا مجاملة الغاصب المحتل والتغاضي عن جرائمه. ويبدو أن هذا الانسان الشديد الحساسية نحو مشاعر الغاصب المحتل لا تهمه مشاعر الضحية الذي تغتصب حقوقه في كل لحظة من نهار أو ليل.

خامسا: الخوف من نزع الشرعية

أضاف كراولي، وهو الناطق الرسمي باسم الخارجية الامريكية وليس الاسرائيلية، في تصريحاته للصحفيين دون خجل قوله: “لقد أثرنا مرارا مع قادة السلطة الفلسطينية ضرورة الاستمرار في مكافحة كل اشكال السعي لنزع الشرعية عن اسرائيل، بما في ذلك نفي الارتباط التاريخي لليهود بالارض”. وهذا هو بيت القصيد. “شرعية اسرائيل”. ومما يلفت النظر أن ما أثارته امريكا مرارا مع “قادة السلطة الفلسطينية” هو ضرورة “الاستمرار” في مكافحة كل محاولات نزع الشرعية هذه. هل من مسئوليات قادة السلطة حماية شرعية اسرائيل فضلا عن حماية أمنها؟ يبدو أن الأمر كذلك. وكلمة “الاستمرار” في تحمل هذه المسئولية لافتة للنظر. فمتى كان من مسئوليات من تكون بلده محتلة ان يكافح “كل أشكال السعي لنزع الشرعية” عن دولة الاحتلال؟ إن واجبه الاول هو تجنيد المعادين لها، لا دفع الاذى عنها. وعلى أي حال حتى في الظروف العادية لا يوجد اي التزام على أية دولة أن تكافح محاولات نزع االشرعية عن أية دولة أخرى ما لم تكن متحالفة معها، ناهيك عن كونها دولة غاصبة محتلة استباحت كل حقوق من خضع للاحتلال. الشعب الفلسطيني يريد أن يعرف من “قادة السلطة” جميع الالتزامات التي التزموا بها، والتي تطل براسها بصورة متتابعة، وحيث أنه هو على الأقل من بين المقصودين بهذا الالتزام، فإنه يريد معرفة معنى “السعي” لنزع الشرعية، وما هو سند شرعية اسرائيل حتى لا يحرجهم أو يقع في المحظور ويعرض نفسه للمساءلة، إذ يبدو أن مجرد القول بأن حائطَ البراق ملكٌ اسلامي يعتبر سعيا لنزع الشرعية، أي أن اثارةَ قضية تخص ملكية بيتٍ أو أرضٍ أو مسجد أو مقاومةَ محاولاتِ اغتصابِ أرضٍ أو اقتلاعِ أشجارٍ يعتبر سعيا لنزع الشرعية عن اسرائيل، استنادا كما يبدو على أن الحركة الصهيونية تعتبر كل فلسطين أرضَ اسرائيل وأن الشعب الفلسطيني لا حقوق له فيها، وتتصرف هي والمستوطنون على هذا الاساس. هل هذا الالتزام هو الذي يفسر عدم تصدي السلطة حتى لحماية المواطنين من الاغتيال على يد قوات الامن الاسرائيلية حتى لو وقع ذلك في رام الله عاصمة السلطة؟ الشعب الفلسطيني يريد ان يعرف أين هو من هذا كله ما دام أن الحكومة الامريكية أثارت هذا الموضوع مرارا ومن الواضح أن قادة السلطة قد التزموا بالتنفيذ.

وفي نظر كراولي يدخل في موضوع نزع الشرعية “نفيُ الارتباط التاريخي لليهود بالأرض”. والغريب في هذا الأمر، وما أكثر الغرائب، أن التاريخ نفسه ينفي هذا الارتباط الذي يريد كراولي تثبيته. هم يعلمون أن إدعاءهم بحق تاريخي ليس له أساس، وأنه ادعاء باطل، ولذا فهم يريدون من الفلسطينيين، ومن غيرهم، أن يمتنعوا عن اثارة أي موضوع يشتم منه أنه يطعن أو حتى يشكك في شرعية وجود أو قيام اسرائيل أو في ارتباطها التاريخي بفلسطين. ويدخل في هذا بطبيعة الحال الحديث عن التاريخ الفلسطيني في فلسطين والآثار التاريخية والحضارية والوجودية للشعب القلسطيني. ويدخل فيه أيضا المحاولات المحمومة التي تقوم بها اسرائيل في ذلك الجزء من فلسطين الذي أعلنت دولتها فيه لطمس كل مظاهر الوجود الفلسطيني فتدمر القرى وتمحو الاسماء أو تغيرها وتصادر الاراضي للتضييق على الوجود الفلسطيني. اثبات الشرعية هو الازمة الخانقة التي تعيشها اسرائيل، وهي المشكلة التي أصبحت تزداد الحاحا، خاصة بعد العدوان الأخير على قطاع غزة والذي أكد للعالم الطبيعة العدوانية الهمجية لاسرائيل. يريد السيد كراولي من الفلسطينيين أن يقفوا مدافعين عن شرعية مزعومة لإسرائيل، ولو كان ذلك على حساب نفي شرعية وجودهم هم ومحو تاريخهم وحضارتهم.هذاهذيانُ جنونِ الاغتصابِ والغطرسةِ وانحسارِ الثقة في اساس الوجود في حد ذاته، اثاره مقالٌ في موضوعٍ صغيرٍ نسبيا ومحدد، فكيف يكون الحال اذا قامت حملة واسعة يتعرف فيها العالم على زيف جميع الادعاءات الاسطورية الصهيونية والاسرائيلية. الوضع مقلق جدا لاسرائيل، ولذا فانها هي وامريكا تريدان من الشعب الفلسطيني أن يمحو تاريخه بيديه ويمنح الشرعية التاريخية لاسرائيل. وهذا لن يكون، حتى ولو صادق عليه جميع قادة السلطة والناطقين باسمها والمفاوضين عنها أو كانوا محمود عباس وسلام فياض اللذين استشهد بهما رئيس لجنة الخارجية في الكونغرس الامريكي.

وقالت الصحيفة إن رئيس لجنة الخارجية التابعة للكونغرس الامريكي،هاوارد برمن، “أصدر بيانا أدان فيه الدراسة. وقال إنه يستنكر بشدة الدراسة وأن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض يدركون الاهمية الروحية للحائط الغربي بالنسبة لليهود في العالم. كما اعتبر نفي علاقة اليهود بالحائط الغربي استفزازا وتحريضا لا يقل عن نفي علاقة الفلسطينيين بالحرم الشريف.وطالب السلطة الفلسطينية بادانة الدراسة فورا، واصدار بيان ينفي أن يكون الحديث عن موقف رسمي للسلطة. كما طالب بازالة اي ذكر للدراسة من مواقع السلطة.” أما رئيس وزراء اسرائيل الحريص دائما على السلام وقول الحقيقة فقد نُسِبَ اليه قوله: ” إن نفي الصلة بين الشعب اليهودي والحائط الغربي من جانب وزارة الاعلام بالسلطة الفلسطينية أمر مخز ولا يستند الى أساس.” ما هو الشيء المخزي في التذكير بالحقائق التاريخية والقانونية؟ واذا كان تقرير لجنة قضائية مستقلة تتصف بما سبق وذكرناه لا يصلح سندا فهل تصريحات نتنياهو أجدر بالقبول؟ المخزي والذي لا يستند الى اساس هو موقفه وموقف السلطة الفلسطينية التي استجابت له ولرئيس لجنة الخارجية في الكونغرس الامريكي وللناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الامريكية.

سادسا: موقف السلطة الفلسطينية

كان موقف رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس واضحا وحاسما: فقد طالب بازالة هذا المقال من موقع وزارة الاعلام الفلسطينية. وبالفعل فقد أزيل المقال وأصبح البحث عنه في الموقع غير منتج. وأنا مدين للاستاذ محمد العبد الله الذي لفت نظري أصلا اليه وما حل به كما أنه نشر تعقيبا له عليه، ثم تكرم وأرسل لي صورة من المقال والتعقيب ومن مقالٍ للكاتب الفلسطيني بلال الحسن نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بتاريخ 5/12/2010 تعرض فيه لردود الفعل الاسرائيلية والامريكية وأورد جانبا من النتائج والقرارت التي توصلت لها اللجنة الدولية التي درست موضوع حائط البراق.

دخلنا على موقع وزارة الاعلام الفلسطينية بتاريخ 25/12/2010 وبدأنا بحثا في موقع الوزارة عن مقال الدكتور طه الذي كان قد نشر على الموقع في 22/11/2010، فلم يُفتح علينا بشيء، وكنا قد فعلنا الشيء نفسه في 16/12/2010. وتبين من استعراض مواقع أشير فيها الى “وزارة الا علام الفلسطينية” أن المقال قد أزيل من الموقع في اليوم التالي لنشره، وجاء في موقع “اليوم السابع” بتاريخ 2 ديسمبر 2010 ما يلي “بعد ادانة واشنطن، وزارةُ الاعلام الفلسطينية تحذف وثيقة حول حائط البراق من موقعها الالكتروني”. واستند هذا الخبر على ما قالته الاذاعة الاسرائيلية العامة من أن الوثيقة سحبت من الموقع الالكتروني لوزارة الاعلام الفلسطينية حيث أن الرابط الالكتروني لفتح الوثيقة تحت عنوان بحث في موضوع حائط البراق اصبح متعذرا الوصول اليه بعد ادانة واشنطن لهذه الوثيقة. وذكر الخبر أن الاذاعة الاسرائيلية حاولت الاتصال بالمتوكل، ونسبت له القول انه في اجازة وأنه تلقى تعليمات واضحة بألا يتحدث في الموضوع، وانه لا يدري ما اذا كانت الوثيقة قد سحبت. وعلى أية حال فقد نسب اليه القول إنه لم يسحبها هو ولا يعرف ما جرى لموقع الانترنت، وإنه لا يعرف من سحب الوثيقة وأكد أنه لا يقف وراء نشرها على الموقع، وان المقال يعبر عن رأيه وليس رأي وزارة الاعلام أو السلطة الفلسطينية. وهكذا بين هذه التصريحات وازالة المقال من الموقع تم تنفيذ كل ما طُلِبَ من السلطة، وتأكد ما ادعاه الناطقون الرسميون الاسرائيليون والامريكيون.

أما السلطة فانها لم تعترف بأنها ازالت المقال من موقعها، بل إنها أصدرت بيانا قالت فيه، حسبما جاء في “الجزيرة توك”، إن “دائرة الانترنت في الوزارة باشرت العمل من اجل استرجاع الصفحة”. وحتى تاريخ اعداد هذا المقال وهو 25/12/2010 فإنه يبدو أن الوزارة لم تنفذ ما وعدت به. ولعل السبب في ذلك هو ما نسب من تصريح لأحد مسئولي السلطة “من أن حائط البراق وقف للمسلمين ولكن في الماضي كان هناك من المفاوضين عن الجانب الفلسطيني من قد وافق على أن يبقى الحائط تحت سيطرة اسرائيل في اطار تسوية أو اتفاق مستقبلي”. فاذا صح هذا القول، فإن تلميحا بالاعتراض يكون كافيا لسحب المقال. ونحن لا نستبعد مطلقا أن يكون احد المفاوضين قد قال مثل هذا الكلام وسجلوه عليه ثم الزموا السلطة به والشعب لا يعرف عنه شيئا. وما أكثر السوابق . وقد تُقَرِّرُ السلطةُ تشكيلَ لجنة تحقيق في الموضوع، تماما كلجنة التحقيق في من اصدر التعليمات لممثل السلطة في جنيف لتأجيل بحث تقرير القاضي جولدستون من جانب مجلس حقوق الانسان، وبنفس النتيجة: عدم نشر التقرير لأن من اصدر الامر معروف للجميع.

سابعا : النص الكامل لقرار اللجنة

حيث أن تقرير اللجنة ليس متوفرا لدى الجميع وقد لا يكون من السهل العثور عليه، بل وقد يختفي من الوجود، وحيث أن هذا التقرير هو المرة الاولى التي عرض فيها جانب من جوانب القضية الفلسطينية على جهة قضائية أو تحكيمية دولية، فإنه من الضروري معرفة ما قررته اللجنة وتعميمه. وفي ما يلي النص الكامل للقرار، وليس للتقرير .

نص القرار
“1 – للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً من ساحة الحرم الشريف.
2 – للمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الذي أمام الحائط.
3 – إن ادوات العبادة التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط لا يجوز أن تعتبر أنها تنشئ اي حق عيني لليهود في الحائط او في الرصيف.
4 – إن التعليمات المؤقتة التي اصدرتها ادارة فلسطين في اواخر أيلول/سبتمبر سنة 1929 بشان ادوات العبادة أصبحت قطعية، على أن يجري فيها تعديل واحد وهو: “يسمح لليهود بوضع الخزانة المحتوية على اسفار التوراة ، والمائدة التي توضع عليها الاسفار عند القراءة منها عند الحائط وذلك:
(أ‌) في يوم عيد راس السنة.
(ب)في يوم عيد الغفران.
(ج) في أيام الاعياد الخصوصية الاخرى المعترف بها من قبل الحكومة.”
5 – يمنع جلب المقاعد والسجاجيد والحصر والكراسي والستائر والحواجز.
6 – لا يسمح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الحائط.
7 – لا يسمح للمسلمين باقامة حفلة (الذكر) بقرب الرصيف في أثناء قيام اليهود بالصلاة.
8 – تنظيف الرصيف وتصليحه حق من حقوق المسلمين بشرط تبليغ الادارة.
9 – تعمير الحائط تقوم به ادارة فلسطين بالنظر الى انه أثر تاريخي، وانما يستشار المجلس الاسلامي والمجلس الرباني بذلك.
10 – ادوات العبادة التي يجوز لليهود أن يجلبوها معهم يوميا هي:
(أ‌) منضدة تحتوي على قناديل طقسية.
(ب) صندوق (يوضع على هذه المنضدة) من الزنك ذو أبواب زجاجية تضاء فيه هذه القناديل.
(ج‌) طست غسيل (يمكن نقله)
(د‌) وعاء ماء يوضع مع الطست على المنضدة.
11 – لا يجوز وضع ستائر أو حاجز على الحائط أو الرصيف من اجل فصل الرجال عن النساء أو لأية غاية أخرى.
12 – يبقى الباب الخشبي المؤدي من الرصيف الى الزاوية مقفلا ليلة السبت وأيام الاعياد اليهودية في الساعة الخامسة مساء وطيلة هذه الايام حتى غروب الشمس.
13 – توضع أحكام هذا الامر موضع الاجراء اعتبارا من اليوم الثامن من شهر حزيران (يونيو) سنة 1931″.

مما تجدر ملاحظته مدى الدقة والتخصيص في هذا القرار وأنه حريص على قصر علاقة اليهود بالجدار في حدود ضيقة جدا كلها تتعلق بالعبادة ولا تترك مجالا لاكتساب حقوق اخرى مهما كانت استنادا الى التمتع بما سمح به القرار من ممارسات. ونود أن نؤكد ما قالته اللجنة من أن هذه الممارسات لم تنشأ من حق تاريخي في الحائط وانما جاءت بسبب تسامح المسلمين في هذا الشأن. ونلفت النظر على وجه الخصوص الى الفقرة رقم 3 من القرار والتي قالت اللجنة إنها جاءت استجابة لطلب من الجانب الفلسطيني، حيث انه ذَكَّرَ اللجنة باسلوب مارسته الصهيونية (وما زالت تمارسه حتى اليوم بدهاء) وهو اسلوب الخطوة خطوة في محاولة افتعال الحقوق ثم محاولة فرضها. وأشار الجانب الفلسطيني الى ان البداية قد تكون وضع المنضدة والكراسي والستائر الخ ثم تتلوها عملية تثبيت هذه في مواقعها ثم مواصلة استعمالها لمدة ثم الادعاء بانها اصبحت جزءا من الموقع ثم الادعاء بحق عيني في وجودها وبقائها وهكذا. ولذا طالب الجانب الفلسطيني بالتصريح بأن وجود هذه الاشياء في الموقع لا يرتب حقا عينيا عليه. واستجابت اللجنة لهذا الطلب الطبيعي والقانوني. واسرائيل، بصفتها دولة احتلال، لا تملك تغيير هذا الوضع الذي استمر حتى في أيام سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين.

ثامنا: وختاما

التحية كل التحية للدكتور المتوكل طه، ويظل السؤال مطروحا: هل السلطة الفلسطينية وقادتها ومفاوضوها والشعب الفلسطيني الذي تُنتهكُ كرامتُه وحقوقُه وتاريخُه ووجودُه كل يوم وتُدَمرُ بيوتُه وتُحرقُ محاصيله وتُقْتَلَعُ اشجارُه وتُصادرُ اراضيه ويُغتالُ أبناؤه ويشردون بأيدي الاحتلال ومستوطنيه يتوجب عليهم حماية أمن الاحتلال ومستوطنيه، والدفاعُ عن أساطيره وشرعيته المزعومة، والتنكرُ، من اجل ذلك، لتاريخهم وتزويرُه؟
هل هذا هو واجبهم أم إن واجبهم شيء آخر؟

ثورة الحب والتاريخ وتحمل المسؤولية

ثورة شباب مصر في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011، هي ثورة الحب والتاريخ وتحمل المسؤولية، الحب لمصر ولتاريخ مصر، وتحمل المسؤولية لاستعادة مصر مما حل بها. هي ثورة عبرت عنها دمعة انسابت من عين الشاب وائل غنيم، وكلمتان نطق بهما: ‘دي بلدنا’ في برنامج الاعلامية المصرية الفذة منى الشاذلي ‘العاشرة مساء’ التي لم تكن في معاناتها أقل من المعاناة التي كان يحس بها وائل. ‘حب’ مصر و’تاريخها’ تحركا هذه المرة لا للتفاخر والتباهي من قِبَلِ اعلاميين أو دبلوماسيين جهلة. لا، ليس للتباهي والتفاخر الاجوفين، وإنما ليكونا وقودَ ثورة ٍعلى نظامِ حكم أهان البلد وأذله. لقد انبعث ذلك الحب الغامر والوعي المتوثب لأعماق ذلك التاريخ ليوقظا في الشباب ما حاول نظام متخلف أن يطمسه من دور ريادي حقيقي لبلد كان دائما هو الطليعة في التقدم والعطاء.

في هذه اللحظة من عمر التاريخ في يوم الجمعة الموافق الحادي عشر من شهر شباط (فبراير) عام 2011، التي أكتب فيها هذا المقال طلع على التلفزيون المصري ‘نائب’ الرئيس ليعلن ‘تخلي’، لا تنحي، مبارك ونظامه، عن الرئاسة، ولأَسمَعَ زغرودةَ نوارة نجم وتقريرَها على فضائية الجزيرة، وصوتَها البهيج المتهدج بالبكاء معلنةً برنامجَ الشبابِ لمصرَ الشباب، والانطلاقةَ في مشوار الحرية والريادة الحقيقية الجديرة بمصر. وفي فرحتها، لم تنس نوارة تونس ولن ينساها أي عربي. فأهلا وسهلا بتونس والقاهرة وفضائية الجزيرة في كل بيت عربي.

سُئِلَت نوارة، أمام من سيكون الجيش مسؤولا الآن بعد رحيل مبارك، فكان جوابها السليم من دون تردد ‘أمامنا’. نعم الجيش مسؤول أمام الشعب الذي أشعل الثورة وقدم الشهداء وانتصر، وكانت تلك التحية العسكرية العظيمة في أدائها ومعناها من جانب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، تعبيرا صادقا عن المعاني العميقة لتلك اللحظة التاريخية التي استرد فيها الشعب مسؤوليته عن الوطن ومستقبله. هؤلاء كانوا شهداء الوطن والشعب والجيش، استشهدوا من أجل أن يعيش الوطن والشعب والجيش وجودا كريما أبيا موحدا.
في مساء ذلك اليوم أيضا استضافت منى الشاذلي في برنامجها على دريم الثانية (وَمَنْ غيرُ منى عنده حِسُّ الثانية لا الدقيقة) الاستاذ

الكبير محمد حسنين هيكل، الذي بدا على الشاشة وقد استعاد شبابه وحيويته، والافكارُ تتزاحم لديه، فتتحرك مضامينها ايحاء وإن لم تكتمل نطقا. ولكنه كان واضحا جدا في موضوع المسؤولية: الشباب لا الجيش هم الذين قاموا بالثورة، ولذا فالجيش مسؤول أمامهم. ونضيف بأن هؤلاء الشباب استطاعوا أن يجندوا الشعب، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، أفرادا ومنظمات، مسلمين ومسيحيين، إخوانا وعلمانيين وليبراليين وناصريين. الشعبُ كله استطاع هؤلاء الشباب أن يحركوه ليحققوا بذلك ما عجز الجميع عن تحقيقه، وهو أن الشعب هو صاحب السيادة والسلطة، وأنه هو المسؤول عن مصير الوطن وجميع المؤسسات مسؤولة امامه، وأنه، بالتفافه حول الشباب واستجابته لدعوتهم يكون قد فوضهم لتحمل المسؤولية باسمه.. واذا نازعهم منازع، فالشعب موجود.
إن شعور هؤلاء الشباب بالمسؤولية عن الوطن وتاريخه ومصيره كان المحرك الاساسي لكل ما فعلوه. ومن الواضح أنهم كانوا على وعي عميق بهذه المسؤولية. وهذا الاحساس بالمسؤولية انتقل بسرعة انتقال رسائلهم على الانترنت الى جميع طبقات وفئات الشعب. وهذا الكلام ليس إنشاء، وانما كان حقيقة على أرض الواقع يمارسها ابناء الشعب ويدركها كل متتبع لما كان يجري. لقد أذهلت العالم كله تلك الظاهرة التلقائية التي لم تألفها القاهرة، ولم يألفها اي مجتمع آخر عندما تكاتف الرجال والسيدات والشباب والصبايا والصغار والكبار في عملية تنظيف ميدان التحرير والشوارع المؤدية اليه. ربات البيوت المجاورة نزلن من بيوتهن ومعهن أدواتهن ليشاركن في العملية. ولم يقتصر هذا العمل التطوعي المجتمعي على تنظيف الميدان، بل كان لافتا لنظر الكثيرين تلك الترتيبات المختلفة الاهداف التي انتشرت في الميدان، بحيث أنها اشتملت حتى على ملاهٍ للاطفال، بحيث تستطيع الامهات المشاركة في الاحتجاجات والنشاطات، وهن مطمئنات على اولادهن الصغار. هذه الظاهرة لفتت أنظار مراسلة هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) فرسمت مخططا للميدان ووضعت عليه الاركان المخصصة لمختلف النشاطات، وفاتها موقع واحد هو الموقع الذي خصص للاغراض التي تفقد أو تضيع مثل الهواتف النقالة أو حوافظ النقود، حيث كانت تسلم لموقع معين، بحيث يستطيع اصحابها أن يستردوها. والمخطط هذا والبيانات موجودان على موقع الهيئة.
نحن اذن امام ظاهرة مهمة في المجتمع العربي، حيث أن هذا الذي شاهدناه في القاهرة ومصر عموما كان حاضرا ايضا في تونس

العاصمة وتونس المدن والقرى. فقد ظهرت اللجان الشعبية في كل مكان عندما اختفى اعوان الشرطة وتعرض الأمن العام للخطر، لم يقف الشباب يلوم الشرطة ويلعن المحافظ ووزير الداخلية وإنما واجه المشكلة وشعر بمسؤوليته حيالها ووجد الحل. اما حساب المقصرين فيأتي في ما بعد. وفي القاهرة عندما لوحظ خطر محاولة نهب المتحف المصري وقف مخرج سينمائي مصري لدى فضائية الجزيرة يلفت النظر لهذا الخطر على تاريخ مصر ويدعو الجيش للتحرك لها الغرض، الا أن الشباب كانوا قد تنبهوا لهذا الخطر وطوقوا المتحف باجسادهم وحموه وحموا معه تاريخ وطنهم.

هؤلاء الشباب الذين قاموا بمعجزة القرن الواحد والعشرين لم يكونوا عاطلين عن العمل او فقراء نهشهم الجوع، وانما كانوا في غنى عن أن يعرضوا انفسهم للبطش والاهانة وأن يكتفوا بتوجيه اللوم والشتائم للمسؤولين المقصرين في اداء واجبهم. وهذا ما فعله غيرهم من مثقفين وآخرين غيرهم. إن ما يميز هؤلاء الثوار أنهم أحسوا بمسؤوليتهم هم عن تصحيح الخطأ ومعالجة اسبابه، وهذا الشعور بالمسؤولية دفعهم للبحث عن طريقة للتغلب على عامل الخوف من النظام الذي يستطيع أن يرهبهم كأفراد، ولكنه عاجز عن ارهابهم كشعب ثائر. القوة في الجماعة الملتزمة التي يحركها شعور عميق بالمسؤولية. هذه هي نقطة التلاقي، وفي سياقها تنتفي الاسئلة الخارجة عن هذا النطاق، ويتجه الجميع لتنفيذ الالتزام الذي ترتب على الشعور بالمسؤولية.
هذا الشعور بالمسؤولية المجتمعية الذي يولد الاستجابة التلقائية هو ما كان مفقودا في مجتمعاتنا العربية كلها، وليس في تونس ومصر فقط. وهو الذي يجب التركيز عليه للانتقال الى مجتمعات فاعلةٍ للتقدم والتاريخ، وليست قابعةً في زوايا الاهمال والاستغلال. ومما يدعو للاعجاب والافتخار بشبابنا الذي قام بالثورة، أن مجتمعاتنا العربية تكاد تكون خالية من أي منهج يدرب على تحمل المسؤولية وممارستها. وإننا نرجو ألا يفوت الشباب هذه الفرصة التي خلقوها بأيديهم وبفكرهم النير. نرجوهم الحفاظ على منظمات المجتمع المدني واللجان الشعبية التي أوجدوها وتطويرها، وتشجيع النشاط المجتمعي والجمعي والتمسك به، والمشاركة في الفكر والعمل. إن التجربة التي مر بها شبابنا في جمهورية ميدان التحرير قلما تتكرر اذا لم يحافظ الشباب على فلسفتها. في ميدان التحرير التقى أبناء الشعب جميعا، من مختلف الخلفيات الفكرية والاجتماعية والعقائدية، وكان السائد هو الاحترام الكامل للاختلاف كحق من حقوق الانسان، وأن الاختلاف هو الاسلوب الأمثل للوصول الى الأفضل. وكان الكل يشعر بالأمان وبالمساواة مع الآخر. لم تتعرض فتاة واحدة للتحرش في ميدان يعج بمليونين من البشر، ولم يقع تلاسن بين إخواني وعلماني أو بين مسلم ومسيحي. ساد الوئام والاحترام المتبادل وتقاسم العمل الجماعي التطوعي في خدمة الهدف، وهو هدف لم يكن طائفيا أو فئويا أو عقائديا ضيقا، ولذا شارك فيه الجميع من دون تحفظ. لم تكن هناك زعامة تفرض رأيها. والسبب في هذا كله كان الشعور بالمسؤولية الذي أدى بدوره للبحث عن افضل السبل لتحقيقها، وهذا أدى ويؤدي بدوره الى البحث في الافكار واحترام كل ما يطرح منها ومناقشته في موضوعية ثم الاتفاق على الاسلم.

الدرس المهم الذي يجب أن نحرص عليه هو الحاجة الماسة لتربية أجيال متعاقبة على تحمل المسؤولية وممارستها ممارسة سليمة، بحيث تصبح هذه الظاهرة سليقة ترافقنا في كل موقف، وتذكرنا باننا سنكون نحن المسؤولين عن الخطأ والفساد، اذا لم نتحرك لمواجهته. والمسؤولية هذه هي في الحقيقة مسؤوليتان: مسؤولية الفعل من جانبنا لتصحيح الوضع من جهة، ومسؤولية المحاسبة على التقصير فيه من جهة ثانية، حتى لا يكون هناك ركود أو ارتداد، وبدونهما معا لا تستقيم الامور. هذه التربية على تحمل المسؤولية وممارستها يجب أن تصبح جزءا أساسيا من المنهج الدراسي والتربوي، ليحل محل مناهج التلقين المتداولة التي تشل العقول وتباعد ما بين الانسان وما يمكن له أن يفعل لو اعتاد على التفكير وتحمل مسؤوليته عن مواقفه وأفكاره.

آنَ لعصور الاستعباد والاستبداد والتخلف أن تنتهي، ولعصور الحرية والوعي بالمسؤولية وممارستها الفردية والجمعية أن تنطلق، وآنَ أن يرتفع صوتنا الى عنان السماء بصرخة عمر بن الخطاب ‘متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا’. لقد آنَ لشعوبنا أن تتحمل هي المسؤوليةَ عن الوطن ومسيرته ومصيره، وآنَ لها أن تبلغ الرشد وتنهض هي بالمسؤولية. وها هي البشائر أطلت، والحمد لله، والمسيرة بدأت واننا لواصلون، بإذن الله وهمة شبابنا.
شكرا يا شبابنا لقد اعدتم لنا حماسا وأملا كادا أن يختفيا من حياتنا.

من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية والهيئة الوطنية لحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني

من تونس الى مصر والبقية تأتي: الشعب مصدر السلطات والثورة الشعبية مصدر الشرعية

عادت الروح بكم يا شبابنا في تونس وفي مصر. فما أحلى الرجوعَ بكم اليكم. لقد دخلتم تاريخ هذه الامة من أوسع أبوابه بأنكم كنتم أول من ثار على الاستعمار الداخلي، ويقيني أنكم ستنتصرون. إن لشعبنا العربي تاريخا مجيدا في الثورة على الاستعمار الاجنبي والانتصار عليه. أما الثورة على الاستعمار الداخلي فانتم أول من أشعلها في ثورتين متقاربتين زمنيا، وملتحمتين في التوجهات، وكأنهما على موعد. وهذا التقارب الزمني سيكون دافعا للوصول بالثورتين الى أهدافهما، وكل واحدة منهما تساند الآخرى، وتستفيد من ابتداعاتها الخلاقة في هذا المضمار الذي لا تجربة فيه للشعب العربي، وهكذا تصبح هذه التجربة الشبابية العربية الدليل الثوري لشبابنا في أقطار اخرى، بل ولشباب العالم كله، حين تحين لحظة التغيير. وأهم قاعدة في هذا الدليل الثوري هي الانتصار على حاجز الخوف، وأن في قدرة الشباب العربي التصدي له والتغلب عليه، وفي قدرته أن يُحدثَ التغيير. لقد اكتشفتم الطريق الى ذلك وهو قوة الشعب، قوة الجماهير الواعية، عندما تتحرك وراء هدف محدد تستوعبه وتؤمن به هذه الجماهير، لم تعد تخيفهم الوحوش التي تربيها وزارات الداخلية في وطننا العربي وغيره، وتعلمت كيف تواجهها وتدحرها الى جحورها.

وبهاتين الثورتين أكد الشباب على قاعدة كانت غائبة عن دائرة الفعل والتأثير، هذه القاعدة هي أن الشعب تولى الفعل بنفسه وقضى على فكر عشش طويلا في اذهاننا، وهو الاعتماد على السلطة في أن تتحرك، هي المسؤولة وهي المقصرة، وننسى أن الشعب نفسه قادر على الفعل وأنه هو المسؤول الاول عن نفسه. وعندما تنبه الشباب الى أن الشعب هو مصدر السلطات تنبه أيضا لمسؤولية الشعب عن الفعل، ونَفَّذ. لقد انسحبت قوات الأمن فتنادى الشباب وشكلوا لجان الامن في كل شارع لحماية الناس والممتلكات العامة والخاصة، واذا بالشعب يدرك مسؤوليته عن حماية تاريخ الوطن من المؤامرات عليه، فيطوق الشباب المتحف المصري ويحولون دون نهبه، كما نهب متحف بغداد في غفلة من الوعي لما يجري. وعندما امتنع الامن قام الشباب، مسلمين ومسيحيين، بحراسة دور العبادة، من مساجد وكنائس، وقام الشباب بالاشراف على تنظيم حركة المرور، بل وكنس الميدان والشوارع وتنظيفها. هذه أمور كنا نتصور أنها من مسؤولية السلطات قبل أن يتنبه الشباب الى نقطة مهمة جدا، وهي أن هذه كلها أمورا تهمنا وهي في الاساس مسؤوليتنا.
لقد تصور كثيرون أن هذا اليوم لن يأتي، وأن تفاهات العصر الامريكي، التي ملأت الكثير من فضائيات ناطقة بالعربية قد شغلت هؤلاء الشباب عن قضايا أمتهم ووطنهم ومصيرهم. كثيرون ظنوا أن ذلك اليوم لن يأتي. وفجأة تشتعل النار، حقيقة ومجازا، واذا بشباب هذه الامة في تونس يخرجون على عالم لم يصدق ما سمع ورأى، ولكنه تجاهل أن هؤلاء الشباب نشأوا وترعرعوا وهم يغنون لشاعرهم الفذ ابو القاسم الشابي منشدين: ‘اذا الشعب يوما اراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر’. ‘ولابد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر’. أبو القاسم رحمه الله، توفي عام 1934 ولما يكمل الخامسة والعشرين من عمره، ولكنه كان صاحب روح شفافة هدته الى المفتاح الأكيد لتحرر الشعوب وتقدمها، هذا المفتاح هو ‘الارادة’. وعندما يكتشف الشعب هذه الارادة التي سماها أبو القاسم ‘ارادة الحياة’، فإن هذه الارادة لا بد وأن تنتصر اذا مارسها الشعب وفَضل صعود الجبال على البقاء أبد الدهر بين الحفر، كما قال أبو القاسم. وهذه هي عظمة تحرككم.

لقد فرضتم يا شباب تونس ومصر على العالم صورة أخرى للانسان العربي غير تلك التي أشاعها أعداء ومغرضون، وأنظمة يسيطر عليها الجهل والفساد وانتهاك الحقوق، أو حركات جاهلة تنسب نفسها للاسلام، ولا تنجح الا في جلب الكراهية له ونشر البلبلة في أوساط الشباب الذين تربوا على اسلام انساني مستنير متسامح وسمح، يحترم خيارات الاخرين لأنفسهم، والله وحده، وليسوا هم، هو صاحب القرار. ومن أروع ما حصل في ميدان التحرير في القاهرة أن أحد المشاركين حمل يافطة كتب عليها ‘الاسلام هو الحل’، فانزلها الشباب، ولم تنتج عن ذلك مشكلة. هذا شعار مضلل ومبتز بسبب غموضه من جهة، وشموليته من جهة ثانية، وادعاء رافعيه أنهم هم وحدهم المسلمون حقا والفاهمون له حصرا من جهة ثالثة، ومُفرِّقٌ لأبناء الوطن الواحد من جهة رابعة، وليس في تاريخ الاسلام كله من رفعه، سوى مُحدَثينَ يضللون البسطاء بشعار جذاب من أجل الوصول الى السلطة. كما أن من أكبر الادلة على التآلف في الوطن أن المسيحيين وقفوا حرسا من البلطجية الذين كانوا يهاجمون المتظاهرين في ميدان التحرير أثناء أداء اخوانهم المسلمين لصلاة الجمعة يوم جمعة الغضب.
لقد نصت دساتير معظم الدول العربية، التي لديها دساتير، على أن ‘الشعب مصدر السلطات وانه يمارسها على الوجه المبين في الدستور’. الشعب اذن هو السيد، وليس الرئيس أو وزارة الداخلية وزبانيتها. جميع اجهزة الدولة بما فيها الرئيس والمجالس النيابية تتصرف نيابة عن الشعب وبموجب الوكالة التي منحها الشعب لها. وفي هذا لا فرق بين النظم الدستورية الحديثة والشريعة الاسلامية. فالبيعة في الشريعة الاسلامية هي وكالة ايضا، وقد عبر عنها أبوبكر وعمر أدق تعبير، عندما خطبا في الجماهير بعد المبايعة. قال كل منهما: ‘اطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فاذا خالفتهما فلا طاعة لي عليكــم’. معنى هذا بلغة العصر أن طاعة الحاكم واجبة فقط ما دام ملتزما بسيادة القانون، وفي المقدمة الدستور الذي هو القانون الاعلى، فاذا خرج عليه فلا طاعة له. والبيعة والدستور والقانون وما يلتزم به الخليفة أو الرئيس أو القائد أمام الشعب للحصول على تأييده ملزم لهؤلاء لأنهم يكونون قد وصلوا الى السلطة بالارادة الشعبية القابلة لما عرض عليها. هذا هو العقد بينهما. فاذا خالف أحدهم هذه الارادة الشعبية فإنه يكون قد أخل بهذا العقد ويكون من حق الشعب أن يعزله، وليس له أن يبقى في السلطة تغليبا لارادته على ارادة الشعب.

الثورة الشعبية تعبر عن ارادة الشعب، الذي تنبثق منه جميع السلطات في الدولة، من تشريعية وتنفيذية وقضائية. ومعنى هذه الثورة أن الشعب غير راضٍ عن الحاضر وأنه لا بد من التغيير. وشعبانا في تونس ومصر عبرا عن عدم رضاهما، وعن الحاجة للتغيير بطريقة حضارية متميزة، وهذا من حقهما ويجب أن تنفذ ارادتهما التزاما بهذا المبدأ الدستوري والشرعي.

هناك من يدعي أن المتظاهرين ضد النظام يمثلون أقلية وهناك أغلبية قررت البقاء في المنازل، وهذه الاغلبية، في رأي هؤلاء، تعتبر مؤيدة للنظام أو على الأقل لم تعبر عن رأيها، ولذا فإن المتظاهرين لا يمثلون سوى ارادتهم هم، وليس ارادة الشعب، هكذا يقولون. هذه مغالطة مرفوضة، فأولا في الانتخابات النظامية لا يحسب للقاعدين في بيوتهم حساب، وانما الحساب للمشاركين فقط. ولذا، وفي الوضع المصري، فإن المقارنة تكون بين من خرجوا محتجين ومعارضين للنظام، ومن خرجوا مؤيدين له، حتى وإن كانوا من البلطجية الذين اشتراهم أعضاء من الحزب الوطني أو كانوا من رجال الامن المركزي. وواضح جدا من متابعة الفضائيات الرسمية وغيرها، أنه لا مقارنة بين الاثنين: المعارضون لبقاء النظام هم بالملايين، في حين أن وسائل الاعلام الرسمية عجزت عن عرض مظاهرات أو اعتصامات أو تحركات تأييد ذات بال. واذن فالرأي الغالب شعبيا يكون هو المُطالِبُ برحيل النظام. هذا أولا، وثانيا فإن الرئيس المصري الحالي لم ينتخبه سوى 23 في المئة من الناخبين، على أحسن تقدير. فاذا طبقنا منطق المعترضين فإن 77 في المئة، الذين لم يصوتوا وبقوا في بيوتهم يعتبرون ضد انتخاب الرئيس، فيكون بذلك رئيسا غير شرعي من الاساس.

واذن فإن المظاهرات في الحالتين التونسية والمصرية اسقطتا النظام بمطالبتهما برحيله، وهذا هو المنطق القانوني للثورات، وبسقوطه يسقط كل ما تنادي الثورة بسقوطه. وفي الحالتين فقد طالب الثائرون بسقوط النظام بأكمله، واقامة نظام جديد. وطبيعي أن يشمل السقوط رئيس النظام، خاصة اذا تبين أن الرئيس هو المسيطر فيه، وأن يشمل كذلك المجالس التشريعية التي كانت في القطرين العربيين تزويرا سافرا للارادة الشعبية.

الارادة الشعبية التي أعلنت عن نفسها بثورتها على النظام القائم، هي التي تحدد النظام الجديد باعلان القطيعة بينها وبين النظام الذي ثارت عليه، تأسيسا على أن الشعب هو مصدر السلطات وأنه صاحب السيادة. والقطيعة تعني اعلان الارادة الشعبية بالتخلي عن ذلك النظام، وبالتالي التخلي عن الإجراءات التي حددها النظام الذي ثارت عليه هذه الارادة. والسبب في ذلك بسيط، وهو أنها كانت ملتزمة بهذه الاجراءات وقابلة لها قبل الثورة على الأصل، وهو النظام، لأنها كانت حينئذ معبرة عن ارادتها، غير أنها عندما تثور معلنة عن ارادة في التغيير، فانها لا يمكن أن تبقى مقيدة بما ثارت عليه، وأن تضع تنفيذ ارادة التغيير هذه رهينة لدى من أعلنت ثورتها عليه. هذا منطق لا يستقيم لأنه يحرم الشعب من حقه في ممارسة ارادة التغيير. إن الذين يقولون بأنه لا يجوز تعديل الدستور مثلا الا بناء على طلب رئيس منتخب، يغيب عنهم أن هذا صحيح في الظروف العادية، اذا كان النص الدستوري كذلك، لأن الرئيس يكون في تلك الظروف يتمتع بالشرعية بناء على الارادة الشعبية التي جاءت به أصلا. أما عندما تتحرك الارادة الشعبية في الاتجاه المضاد وتسقط النظام كله فإن الرئيس يسقط مع سقوط النظام، والا بقي متحكما في ما يجوز للارادة الشعبية أن تحققه في ثورتها وما لا يجوز، ويصبح في استطاعة رئيس مخلوع أن يتحكم في ارادة الشعب. هذه نتيجة مرفوضة أصلا. ولذا فقد درجت الثورات على اختيار رجالها أو رجال تثق فيهم لتنفيذ برامجها تحت اشرافها، وممارسة سلطة الحكم باسمها، وهي سلطة تستمد شرعيتها من شرعية الثورة التي جاءت بها.

ومن أغرب الامور ما طالب به البعض من أن يعرض على الرئيس الاعتراف بشرعية الثورة. هذا الطلب الغريب هو نقيض منطق الثورة ومنطق أن الشعب، وليس الرئيس، هو مصدر السلطات. الشعب هو من له السيادة وهو الذي يختار الرئيس. فكيف يُطلَبُ من الوكيل التابع الاعترافُ بشرعية الأصيل؟

إن الثورتين الشعبيتين في تونس وفي مصر تعتبران خطا فاصلا في تاريخ أمتنا العربية، ليس فقط لأنهما تعبران عن نقلة نوعية في الوعي الشبابي العربي، وانما أيضا لما كرستاه من قيم في ثورات الشعوب في مواجهة الاستعمار الداخلي. وقد ابرزت هاتان الثورتان ظاهرة كانت غائبة عن الادراك المباشر، وهي وعي الشعوب العربية بقدرتها على التغيير الجذري عند الحاجة، بصفتها مسؤولة عنه وأنه حق لها. كما أنهما قد ابرزا، كما نتمنى، وعيا لدى القادة والملوك والرؤساء أنهم لا يملكون ممارسة الاستبداد والطغيان وانتهاك الحقوق، حيث أن هناك شعوبا أثبتت أنها واعية لمقدرتها على تصحيح الاوضاع جذريا، وأنها مسؤولة عن عملية التصحيح هذه مهما كان مداها. انهما ثورتان حضاريتان ستظل الامة العربية تؤرخ بهما على أنهما نقطة تحرر الارادة العربية، وأنهما نقطة بداية لتاريخ جديد.

‘ من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية

إغراق غزة: تحقيقٌ لأمنية رابين؟

إغراق غزة: تحقيقٌ لأمنية رابين؟

(أولا): مقدمة

من بين التمنيات المشهورة لرئيس وزراء اسرائيل الأسبق، رابين، أنه كان يتمنى أن يستيقظ في الصباح ويجد أن مياه البحر الابيض المتوسط قد ابتلعت قطاع غزة. واغتيل رابين قبل أن تتحقق أمنيته هذه. ولكن هذا النوع من الامنيات لا يموت في اسرائيل بموت صاحبه. فغزة مشكلة لاسرائيل منذ قيامها، ولا بد من التخلص من هذه المشكلة، ولو بإغراق القطاع ماديا أو معنويا. فغزة المشكلة، على خلاف ما قد يتصور البعض، لم تبدأ بظهور حماس على ساحة المقاومة ، ورابين أطلق أمنيته هذه قبل أن تفوز حماس في الانتخابات عام 2006 وتتولى السلطة. ولكن نجاح حماس هذا وتوليها السلطة وتبنيها لمنهج المقاومة – كل هذا زاد من حرص اسرائيل على تنفيذ أمنية رابين بشكل أو بآخر بعد أن مرت بتجارب مختلفة في تعاملها مع القطاع. فقد حاولت السيطرة على القطاع واخضاعه بالقوة العسكرية المحتلة والمستوطنات وفشلت، وحاولت عن طريق الجنرال الامريكي كيث دايتون وأتباعه وأعوانه في السلطة الفلسطينية، وفشلت، وسحبت قواتها من القطاع وأزالت المستوطنات وفرضت حصارا بحريا وبريا وجويا، ومع ذلك لم يخضع القطاع، واخترق الارض وحفر الانفاق في مواجهة جريئة لهذا الحصار، ولم يستسلم أو ييأس. وشنت اسرائيل حربا عدوانية مدمرة استعملت فيها الاسلحة المحرمة وغير المحرمة وارتكبت الجرائم ، ومع ذلك صمد هذا الشعب الابي في أرضه وما زال صامدا، واستمر في محاولات الاعتماد على انفاق وعلى معبر مع مدينة رفخ المصرية، يُفتَحُ حينا ويظل مقفلا في معظم الاحيان. وصبر واحتمل. واستمر تحديه للحصار بالغوص في باطن الارض. هذا الملاذُ، الانفاقُ ، بقيَ الملاذََ الاخير الذي يخضع الى حد ما لسيطرته، وإذن يجب أن يُقْفَلَ ليكتمل الحصار، ويوضع الغزاويون أمام أحد خيارين: إما الرضوخ للاملاءات الاسرائيلية رضوخا كاملا في كل شيء، وإما الابادة الجماعية جوعا وعطشا ومرضا وغرقا. من هذا الواقع جاءت فكرة بناء جدار فولاذي في باطن الارض بعد أن سبق اقامة جدار فوق سطح الارض على طول امتداد الحدود المصرية الفلسطينية، بحيث لا يبقى من منافذ للقطاع، من الناحية النظرية، سوى البوابات الاسرائيلية ومعبر رفح المصري، وهذه لا سيطرة للفلسطينيين عليها. غير أن الحصار وحده لا يكفي، فقد ثبت أن الارادة الخلاقة لشعب غزة قد تحدته، ولذا لا بد من تحقيق أمنية رابين باغراق القطاع. ومن هنا جاء التصميم الخاص للجدار، كما سنرى.

(ثانيا) المرور من معبر رفح

لو أن معبر رفح المصري يبقى مفتوحا كنقطة حدود بين القطاع ومصر، كما تفتح نقاط الحدود الدولية، لما كان هناك أية ضرورة لحفر الانفاق، وبالتالي لما كانت هناك حاجة لاقامة جدار فولاذي أو ستار أو فاصل أو عازل أو انشاءات، كما يحلو لانصاره من الاخوة في مصر تسميته، تماما كما تتجنب اسرائيل تسمية جدارها الذي يطوق الضفة الغربية بالجدار وتفضل تسميته بالسياج. ولكن يبدو أن هناك التزامات ليست معلنة تحكم فتح معبر رفح المصري. فقد نشرت القدس العربي في عددها الصادر بتاريخ 13 يناير (كانون الثاني) 2010 في صفحتها الاولى تصريحا لأحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر، جاء فيه أن “فتح معبر رفح بشكل دائم وبصفة رسمية سيكون بمثابة اعتراف بحركة حماس كقوة مسيطرة على قطاع غزة، وهو ما سيعد كسرا لكل الالتزامات المصرية تجاه اسرائيل وتجاه المجتمع الدولي المتمثل في الاتحاد الاوروبي”.
الغريب في هذا التصريح أنه يتجاهل تماما أية التزامات مصرية تجاه القطاع وأهله، وهي التزامات قانونية قائمة في ذمة مصر وسابقة لأي التزام مصري تجاه اسرائيل أو الاتحاد الاوروبي ومستمرة الى أن يتحرر القطاع من الاحتلال. وقد نرتبت هذه الالتزامات على تولي مصر أمور القطاع بالكامل منذ عام 1948 وحتى الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 الذي تَمَّ ومصرُ مسئولةٌ مسئوليةً كاملةً عن شئون القطاع. هذا أولا، وثانيا، لعل مصدر الالتزام الذي أشار اليه أبو الغيط هو اتفاقية المعابر التي أبرمتها السلطة الفلسطينية مع اسرائيل. غير أن اتفاقية المعابر هذه قاصرة حصرا على المعابر الفلسطينية، ومن بينها معبر رفح الفلسطيني، ولا علاقة لها بمعبر رفح المصري، وأطرافها هم السلطة الفلسطينية واسرائيل والاتحاد الاوروبي. أما مصر فليست طرفا فيها، على خلاف ما يدعيه البعض، ومعابرمصر لا تخضع لها ،وانما المفروض أن هذه المعابر ، ومن بينها معبر رفح، تخضع للسيادة المصرية فقط، ولا تًلْزِمُها اتفاقيةٌ مصر ليست طرفا فيها، كاتفاقية المعابر بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية .

واذا كانت الحكومة المصرية قد الزمت نفسها تجاه اسرائيل والاتحاد الاوروبي بعدم فتح معبر رفح بصورة رسمية ويشكل دائم، فإن هذا الالتزام يكون قد نشأ، اذا كان قد نشأ أصلا، بعد ابرام اتفاقية المعابر وبعد أن تولت حماس السلطة في القطاع، وتمسكت بالسيطرة الفلسطينية على معبر رفح الفلسطيني، باعتباره معبرا محررا من الاحتلال الاسرائيلي. في هذه الحالة يكون من واجب الحكومة المصرية تجاه شعب غزة، الذي كانت مسئولة عنه وتتحمل مسئولية خاصة لتحريره من الاحتلال، دعمُ هذا الموقف لا الالتزام بما يناقضه. فاقامة الجدار الفولاذي الذي يغلق المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي، وهو الانفاق بعد إغلاق معبر رفح، يتناقض مع المسئولية المصرية تجاه القطاع ويدخلها في اطار مساءلة قانونية محتملة عن المشاركة في اتفاق جنائي مع اسرائيل والانحاد الاوروبي لارتكاب عقوبات جماعية على المدنيين في غزة، لأغراض سياسية، يعاقب عليها القانون الدولي والقانون الدولي الانساني. فإغلاق الانفاق ومعبر رفح المصري مع الحصار الاسرائيلي يتسبب في انتهاك حقوق المدنيين الفلسطينيين في القطاع، وهي حقوق أساسية لا غنى عنها مثل الحق في الحياة والحق في العلاج الطبي والدواء والحق في المأكل والمأوى. هذه الحقوق يحرم منها، وقد حرم منها، المواطن الفلسطيني في القطاع بسبب الحصار الاسرائيلي والحصار المصري، وهذه مخالفات يعاقب عليها القانون الدولي الانساني.
لقد كان موقف مصر من الانفاق، حتى لوعَلِمَتْ بها ولم تغلقها، موقفا سليما في نظر القانون الدولي والقانون الدولي الانساني. فالحصار الذي تفرضه اسرائيل على قطاع غزة حصار غير شرعي، وتمكين مصر لفلسطينيي القطاع من التغلب عليه، ولو جزئيا، هو وفاء من جانب مصر بالتزاماتها وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة، حيث أنها بذلك تبطل أثر الحصار الاسرائيلي الذي تدينه تلك الاتفاقية، وواجب كل دولة طرف في تلك الاتفاقية هو الحرص على تنفيذها من جميع الاطراف ومعاقبة من يخالفها. وفي هذا تكون مصر قائدة لفك حصار غير شرعي. أما الآن وبإقامة هذا الجدار الفولاذي وباحترام التزام غير شرعي تجاه اسرائيل والاتحاد الاوروبي فإن مصر نفسها تُجَر للمساءلة القانونية بصفة أنها أصبحت شريكا في حصار غير شرعي مع اسرائيل، ومسئولةً بصفة أساسية عن إغلاق منفذ شرعي يُمَكِّنُ أهل القطاع من ممارسة حقوقهم وحياتهم الطبيعية.
ويزداد الأمر خطورة بالنسبة لمصر حيث أن الاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي كله يطالب اسرائيل بفك الحصار ويعتبره غير شرعي، وبالتالي فان الاتحاد الاوروبي قد بدأ ينأى بنفسه عن الحصار الاسرائيلي للقطاع تخلصا من المسئولية القانونية والاخلاقية، خاصة بعد صدور تقرير القاضي جولدستون الذي اعتبر الحصار الاسرائيلي غير شرعي تترتب عليه مساءلة قانونية أمام المحاكم الدولية ومحاكم الدول التي تمارس اختصاصا عاما وفقا لاتفاقيات جنيف. وإذن فإن هذا التجاوب الرسمي المصري للطلبات الاسرائيلية يجر مصر تدريجيا لدائرة المساءلة القانونية فضلا عن المساءلة الاخلاقية والقومية، ويورط مصر في شراكة وانتهاكات اسرائيلية لا تستطيع النجاة منها ومن آثارها.

وليس جولدستون وحده هو صاحب الرأي في أن الحصار على القطاع غير شرعي. ذلك أن المقرر الدائم للامم المتحدة عن انتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني، البروفسور رتشارد فالك، وهو يهودي مثل جولدستون، هو أيضا صاحب موقف مماثل. والفرق بين الاثنين أن تقرير جولدستون قد صدر قبل أن ينكشف سر الجدار الفولاذي، وبالتالي فإن جولدستون لم يشر اليه، في حين أن الخبير الاممي فالك تحدث بعد أن انكشف الأمر. فقد دعا هذا الخبير الاممي في تقاريره المتعددة التي قدمها للامم المتحدة ومجلس خقوق الانسان الى معاقبة المسئولين الاسرائيليين، وعندما تبين له أن المجتمع الدولي لم يتحرك كما يجب في هذا الاتجاه، بدأ يطالب بفرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل لرفضها الاستجابة للمناشدات المتعددة لفك الحصار، وكرر مطالبته هذه في لقاء اذاعه راديو الامم المتحدة في 29 ديسمبر 2009 ووصف الحصار هذا بأنه “حصارلم يمر به أي شعب من الشعوب منذ الحرب العالمية الثانية في شدته واستمراره”، وهو حصار لم يٌعِدْ القطاع الى العصر الحجري، وانما أعاده الى عصر الطين”، على حد قول مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا). في اشارة منه الى مواجهة الأهل في القطاع الى استعمال الطين للبناء في تَحَدٍّ للحظر المفروض على مواد البناء.

وانضم أعضاء من الكونغرس الامريكي لمناهضي الحصارين الاسرائيلي والرسمي المصري. فقد وجه أربعة وخمسون عضوا من أعضاء الكونغرس بتاريخ 21 يناير 2010 رسالة الى الرئيس الامريكي طالبوه فيها بأن يفك الحصار “الذي فرضته اسرائيل ومصر بعد الانقلاب الذي قامت به حماس، خاصة بعد عملية الرصاص المصبوب” . ففي نظر هؤلاء الأعضاء الاربعة والخمسين في الكونعرس الامريكي فإن الحصار لا تفرضه اسرائيل فقط وإنما تفرضه السلطات المصرية كذلك، وأن هذا الحصار من جانب اسرائيل ومصر قد جاء بعد “الانقلاب” الذي قامت به حماس. وأعضاء الكونغرس هؤلاء يطالبون برفع الحصارين، ولا يرون أن هذين الحصارين يبررهما “الانقلاب” الذي قامت به حماس. ويحدد أعضاء الكونغرس عشرة أمور تتطلب المعالجة الآنية، ومن بينها حرية الحركة للجميع، من والى غزة، وخاصة للطلبة والمرضى وعمال الاغاثة والصحفيين وأصحاب المشاكل العائلية، وتوفير المياه النقية، بما في ذلك مواد البنية التحتية لتوقير المياه النقية، وتوفير كميات كبيرة من أنواع المواد الغذائية والزراعية، وتوفير الدواء ومستلزمات الرعاية الصحية، وتوفير المواد الضرورية للبيئة الصحية، بما في ذلك ما تحتاج اليه من بنية تحتية،وتوفير مواد البناء ، وتوفير الوقود وقطع الغيار، والمرور الآني من غزة واليها للبضائع التجارية والزراعية، ونشر ومراجعة قوائم المواد المحظورة بحيث تكون معروفة لسكان غزة. إن هذه القائمة تدل على أن هذا العدد غير المسبوق في القضية الفلسطينية من أعضاء الكونغرس قد بدأوا يتابعون ما يجري في القطاع من مصادر غير المصادر الاسرائيلية وغير مصادر السلطة الفلسطينية في رام الله، كما بدأوا يسلكون طريقا مغايرا لسلوك ومواقف اسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية .

(ثالثا) تواطؤ مصري أمريكي اسرائيلي؟

صمود قطاع غزة حتى بعد الحرب القذرة التي شنتها اسرائيل ووقف فيها القطاع وحده، ونجاح أهل القطاع في مواجهة الحصار الاسرائيلي عن طريق الانفاق، أقنع الاطراف المعنية باخضاع القطاع وأهله وفرض الاستسلام عليه بانه لا بد من اللجوء الى الحل النهائي وهو خنق القطاع بقفل كل منافذ اتصاله مع العالم الخارجي. يقول الخبير الاممي ريتشارد فالك في ذلك وهو يستنكر الجدار لبفولاذي المصري: “”انني أشعر بالأسى لحصول ذلك، لأنه يعبر عن تواطؤ من جانب الحكومة المصرية مع الولايات المتحدة التي على ما يبدو تساعد عن طريق سلاح المهندسين (في الجيش الامريكي) في بناء هذا الجدار الفولاذي الذي لا يمكن اختراقه والذي صمم ليؤثر في الانفاق التي كانت تجلب شيئا من الطعام ومواد الاغاثة لسكان غزة”. أي أن الهدف منه هو غلق نافذة كان يمر منها قليل من الطعام ومواد الاغاثة لسكان غزة، وهذه النافذة كانت الانفاق، حيث أن معبر رفح كان مغلقا معطم الوقت للاسباب التي ذكرها وزير الخارجية المصري.

هذا التواطؤ بين الحكومة المصرية والولايات المتحدة من شِأنه، دون أدنى شك أو تساؤل،أن يؤدي الى مشاركة اسرائيلية في جميع مراحل التفكير والتخطيط والتنفيذ للجدار، ولا يستبعد أبدا أن تكون اسرائيل هي المُبادِرَةُ، فهي صاحبة المصلحة الاولى في خنق القطاع وفرض الاستسلام على أهله، وتحميل مصر المسئولية عما يصيبه. وقد أشار أيهود باراك ، مباشرة بعد الانسحاب الاسرائيلي من القطاع، الى تفاهم مع السلطات المصرية، دون أن يذكر تفاصيل، كما أن وزير الخارجية المصري صرح على فضائية مصرية بأن الإعداد للتنفيذ قد استغرق حوالي السنة، والسنة هي الفترة التي انقضت بين العدوان على غزة والبدء في بناء الجدار. وكذلك فإن أعضاء الكونغرس الذين سبقت الاشارة الى رسالتهم للرئيس الامريكي قد تحدثوا فيها عن “الحصار الذي تفرضه اسرائيل ومصر” على القطاع “خاصة بعد عملية الرصاص المسكوب”. وسواء صدق ايهود باراك أو لم يصدق، والظاهر أن السوابق تؤيد صدقه، فإنه لا يتصور أن أمريكا تقدم على فعل كهذا دون تفاهم مسبق مع اسرائيل على جميع التفاصيل، كما لا يتصور أن الحكومة المصرية تقدم على تنفيذ مشروع كهذا في منطقة مجاورة للحدود مع اسرائيل، بدون موافقة اسرائيل على جميع التفاصيل أيضا، وإن نُسِِبَ المشروع لمصررسميا لأنه ينفذ في اراض مصرية. وقد أشار وزير خارجية مصر في مقابلته مع الفضائية المصرية الى أن مصر طلبت من أمريكا مجسات الكترونية لنصبها على الجدار الارضي الذي طوقت به قطاع غزة بعد العدوان الأخير ليحل محل السياج الذي كان يفصل بين الرفحين المصرية والفلسطينية. وذكرت المصادر أن الولايات المتحدة اشترطت على مصر اقامة الجدار الفولاذي لكي تستجيب الولايات المتحدة للطلب. وبدخول أمريكا على الخط دخلت اسرائيل دون شك وبمعرفة السلطات المصرية. الموافقة الاسرائيلية شرط لا مهرب منه الا بالتمسك بالسيادة المصرية على الحدود مع القطاع. غير أن السيادة المصرية في هذه المناطق مقيدة جدا. وقد شهد العالم كله على ذلك عندما لم تسمح اسرائيل لمصر بزيادة عدد افراد حرس الحدود المصريين مع القطاع عندما طلبت مصر ذلك. ولا شك أنه اذا أرادت مصر مستقبلا ازالة الجدار أو إدخال أية تعديلات عليه فإنها ستحتاج الى موافقة اسرائيلية وأمريكية. أي أن مصر، اذا نفذت المشروع، ستظل في دائرة المخالفة للقانون ولواجبها القومي والانساني ولا تستطيع التخلص من هذه المخالفة، والحديث عن السيادة ، مع الأسف الشديد، حديث في غير محله في هذه المناسبة ويقصد منه الايهام بأن سيادة مصر معرضة للاعتداء عليها من فلسطينيي غزة، في حين أن الاعتداء على السيادة المصرية قائم منذ 1967 ولم يتغير حتى اليوم، والمعتدي هو اسرائيل.

(رابعا) تبريرات: كاد المريب أن يقول خذوني

بعد انفضاح الأمر عن طريق الصحافة الاسرائيلية ثم الناطق الرسمي الامريكي، لم يعد هناك مجال للإختفاء وراء العموميات والانكار. ولذا بدأت عملية اختراع المبررات، وجاء التركيز على التهريب عبر الانفاق من القطاع الى مصر وتضخيمه، مع أن المنطق والواقع يقولان إن القطاع في حاجة الى كل ما يهرب اليه وليس لديه ما يهربه الى مصر أو يستطيع الاستغناء عنه لاعادة تهريبه. واسهل على المهربين من اعادة التهريب أن يسلموا ما يريدون الى أعوانهم في سيناء. ولكن لا مجال للمنطق في مواجهة الاختلاق الذي أضاف ما راق له الى قائمة المهربات عبر الانفاق. فقد قالوا إن الاسلحة تهرب الى مصر من القطاع، وكذلك المخدرات، وأضاف سفير مصري في حوار مع منى الشاذلي، الاعلامية المصرية المتميزة، في فضائية دريم الثانية، الى هذه القائمة “الروسيات”، نعم الروسيات. الى هذه الدرجة بلغ اصطناع المبررات والاسفاف والاستخفاف بعقول الناس. وتجاهلوا جميعا أن سيناء كانت دائما مصدرا لتهريب السلاح والمخدرات قبل اختراع حماس أو ايران أو حتى قبل قيام اسرائيل، كما أن السلاح منتشر في سيناء وصعيد مصر على نطاق واسع. فهل الانفاق مع غزة هي المصدر؟ ومع ذلك يريدون أن يصدق الناس أن تهريبا يتم من القطاع يهدد سيادة مصر وأمنها القومي. ولقد أصاب أستاذ جامعي مصري عندما قال إن “السيادة” و “الأمن القومي” شماعة تعلق عليها الحكومات العربية كل ما لا يرضيها من نشاط.

لا يصدق عاقل أن فلسطينيي قطاع غزة، أوحماس أوغيرها من الفصائل الفلسطينية، يسعون للاخلال بالأمن القومي المصري أو انتهاك السيادة المصرية. نعم لقد عبروا الحدود بعشرات الالاف بعد العدوان عليهم من اسرائيل. ولكنهم لم يفعلوا ذلك انتهاكا لسيادة مصر أو تهديدا لأمنها القومي وانما تنفيذ للقاعدة الشرعية التي تقول “الحاجة تنزل منزلة الضرورة” و “الضرورات تبيح المحظورات”، وهل هناك حاجة أكبر من الحاجة الى الغذاء والدواء والمسكن بعد ما حل بهم ما حل؟ ولو أن بوابة الحدود فُتحت، كما كان يجب وكما كان يريد الشعب المصري الأبي، لكانت هناك قصة أخرى تتحدث عن الفرحة.

(خامسا) مشروعية الجدار

للحكم على الجدار من حيث مشروعيته من عدمها لا بد في البداية من عرض موجز لطبيعته ثم التعرض لآثاره، فليس كل جدار يقام على الحدود يعتبر غير مشروع لا لسبب الا لأن الطرف الآخر يعترض عليه. بداية، من المعروف في الشريعة الاسلامية وفي القانون الوضعي سواء في القانون الخاص أو القانون الدولي أنه لا يُمنَعُ أحدٌ من التصرف في ملكه أبدا الا اذا كان ضررذلك التصرف على غيره فاحشا (المادة 1198 مجلة الاحكام الشرعية). فالقضية إذن ليست قضية حق مصر في بناء الجدار في أراضيها، أي ليست قضية سيادة أو أمن قومي، فهذان أمران لا نقاش فيهما. فكل دولة لها الحق في ممارسة سيادتها واتخاذ ما تراه من اجراءات ملتزمة بالقانون لحماية أمنها القومي. وانما القضية تنحصر في طبيعة التصرف وآثاره، وفي حالتنا هذه تنحصر القضية في طبيعة الجدار وآثاره: فاذا كان يلحق ضررا بالجانب الفلسطيني فإنه يكون غير مشروع ويجب تعديله، اذا أمكن، لينتفي الضرر، واذا استحال ذلك فيجب ازالته والبحث عن حل آخر لا يترتب عليه ضرر. المشروعية موقف قانوني وليست موقفا سياسيا. قد يتغلب الموقف السياسي على القانوني أحيانا، ولكن ذلك لا يكسبه الشرعية التي يعتد بها، ولا يؤاخذ الطرف المتضرر اذا هو تمسك بحقه من وجوب ازالة الضرر، وتمسكه بهذا الحق لا يعتبر اعتداء على سيادة أو تهديدا للامن القومي.

الجدار، كما جاء في وسائل الاعلام، يتكون من عدة صفائح يصل طول الواحدة منها الى ثلاثين مترا وقد يكون أقل من ذلك، وسمك الصفيحة خمسون سنتيمترا، وقد صنعت من الفولاذ الذي لا يمكن اختراقه حتى بالقنابل، كما دلت التجارب التي أجريت عليه. وتغرس هذه الصفائح متلاصقة عموديا في الارض على امتداد الحدود بين مصر والقطاع. وفي الجانب الداخلي من الجدار في اتجاه القطاع انبوب ضخم يبدا من نقطة في البحر الابيض المتوسط ويمتد افقيا على طول الجدار، وتتفرع منه منظومة من الانابيب تمتد عموديا على طوله، وبها فتحات على الارض الفلسطينية تتصب منها المياه التي تمرر في الانبوب الافقي الرئيسي من البحر. وهكذا فان الانفاق التي سبق حفرها ستغرقها المياه المالحة كما انها ستغرق أي نفق جديد قد يفكر في شقه. كل هذا في باطن الارض والتحكم فيه من الجانب المصري. جدار بهذه الصفة لا يولد في ساعته، وهذا يدل على أن المشروع كان محل بحث ودراسة وتصميم بين الاطراف المعنية به، أي السلطات المصرية والولايات المتحدة واسرائيل، وأن هذا التصميم قد وضع آخذا في الاعتبار فقط مصلحة الاطراف الثلاثة، ومصلحة اسرائيل بشكل خاص لأنها الطرف الاقوى في هذه المعادلة، مهما قيل غير ذلك ذلك.

أما الجانب الفلسطيني ، حتى الرسمي منه، فقد أغفل تماما، ولم يسمع أحد شيئا منه سوى تصريح من الرئيس الفلسطيني المنتهي ولايته يؤكد فيه أن من جق مصر اقامة هذا الجدار، وأيده في ذلك وزير أوقافه معلنا أن بناء الجدار هذا حلال، مجاريا في ذلك فتوى مركز الأبحاث الاسلامية في الازهر ومخالفا باقي علماء المسلمين من مختلف الاقطار. وجاءت هذه التصريحات بعد أن افتضح أمر الجدار.أما المسئولون في القطاع فيبدو أنهم علموا بالمشروع من الصحافة الاسرائيلية، شأنهم في ذلك شأن باقي ابناء الأمة العربية، بما في ذلك الشعب المصري، ولم يُخْطَروا به أو يُستشاروا فيه أو يتم أي تنسيق معهم، ولو في مرحلة التنفيذ، حيث أن القانون الدولي يشترط الاتفاق على علامات الحدود سواء كانت على سطح الارض أو في باطنها. ولكن ذلك لم يحدث مع الجانب الفلسطيني، ولو لتجنب الضرر الذي يترتب على ضخ مياه البحر في الاراضي الفلسطينية.

(سادسا) هل هناك ضرر من إقامة هذا الجدار؟

هناك اتفاق لا جدال فيه بين الشريعة والقوانين الوضعية والقانون الدولي والقانون الدولي الانساني من أن الضرر يتنافى مع المشروعية. أي لا مشروعية لفعل يترتب عليه ضرر للغير. فهل يترتب ضرر من هذا الجدار الفولاذي ومنظومته المائية؟ بداية لا مفر من القول إن مجرد صب مياه البحر في الاراضي الفلسطينية هو اعتداء على هذه الاراضي، واعتداء كذلك على اصحاب الانفاق الذين سيغرق البحر أنفاقهم، واعتداء على السيادة الفلسطينية والأمن القومي الفلسطيني، حيث أن ذلك كله يقع في الاراضي الفلسطينية. والاعتداء في حد ذاته ضرر يجب ازالته.

ثم ان الضرر الذي سيلحق بالجانب الفلسطيني ضرر في غاية الخطورة ولا يمكن ازالته أو معالجته بعد وقوعه. فالجدار يتضمن منظومة مائية تصب ماء البحر الابيض المتوسط المالح في الانفاق التي سبق حفرها بحيث يملؤها، ومن الطبيعي أن يتسرب الى باطن التربة في كل اتجاه. هذه نتيجة طبيعية لوجود الماء واستمرار تدفقه. أرض غزة ستصبح تدريجيا أرضا مالحة تتشبع تدريجيا بالماء المالح في جميع ارجائها . وفي حركة الماء هذه وتغلغله في التربة فإنه لا يفسدها هي فقط ويجعلها غير صالحة للزراعة وانما لا مفر له من الوصول الى المياه الجوفية حيثما توجد. وهكذا فإن الضرر يلحق بالارض تربةً ، ويلحق بالمياه الجوفية وبما يكون في باطن الارض من ثروات، كالثروة المعدنية أو البنرولية. وهذا الضرر الذي يصيب باطن الارض ويأخذ في الانتشار سيلتقي بما صبته اسرائيل على سطح الارض من سموم ومواد كيماوية افسدت التربة وتسببت في تسميم المزروعات، وهو ما بدأت آثاره في الظهور على صحة أهل القطاع.

والاسرائيليون، الذين هم طرف اساسي في المشروع، ليسوا ابرياء من محاولات التخلص من الفلسطينيين بشكل أو بآخر، والقاء اللوم على طرف عربي. فقد وَثَّقَ المؤرخ الاسرائيلي ايلان باب في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين” حادثتين على الاقل من هذا القبيل قام بهما رجال الحركة الصهيونية في فلسطين عام 1948 من أجل ابادة الفلسطينيين أو ارغامهم على الرحيل عن طريق الحرب الجرثومية ، أولاهما صب جراثيم مرض التيفوئيد في مصدر للمياه في مدينة عكا أثناء حصارها في 6 مايو 1948حين استعصت عليهم كما استعصت على نابليون من قبلهم. والمحاولة الثانية كانت محاولة تلويث أبار غزة بجراثيم مرضي التيفوئيد والدزنتاريا، وقد أفسد الجيش المصري تلك المحاولة وقبض على الفاعلين وأعدمهما. ونحن لا نشك لحظة في أنه كان لاسرائيل يد كبيرة في تصميم الجدار الفولاذي والمنظومة المائية لتحقيق أهدافها البعيدة، وهي القضاء التدريجي على فرص الحياة كلية في قطاع غزة وارغام أهله على الرحيل الى الاراضي المصرية باقتحام الحدود والبقاء في الاراضي المصرية، وفي هذا كله يجري تحميل المسئولية لمصر.

واذن فالضرر واقع لا محالة، وهو ضرر مؤكد ومستمرومتزايد و”فاحش”، اذا أردنا استعمال تعبير الفقهاء، ولا يمكن التخلص منه، وسينسى الموضوع لأن الانابيب كلها تحت الارض وتقع الكارثة المؤكدة بشكل تدريجي بأن يغرق القطاع أو يصبح غير صالح للعيش فيه أو الحياة من خيراته. وتأسيسا على هذا فإن اقامة الجدار تصبح فعلا غير مشروع ، وتنطبق عليه مبادئ القانون الدولي التي أرستها محكمة العدل الدولية في فتواها بشأن الجدار الاسرائيلي. ومن المؤكد أن الفتاوى التي صدرت بتحليل الجدار فتاوى سطحية لم تدرس طبيعة الجدار وجاءت مخالفة للشرع الشريف، ولا تأحذ بها أية محكمة تنظر في شرعية الجدار.

(سابعا) تداعيات بناء الجدار

إن تنفيذ الحكومة المصرية لهذا المشروع ستكون له نتائج بعيدة الاثر بالنسبة لمصر العزيزة وشعبها وتاريخها ومستقبلها، من أولها أن السلطات المصرية لا تستطيع، بعد تنفيذ هذا المشروع، ستصبح رهينة لدى المشروع الصهيوني واسرائيل التي ستبتزها في كل مناسبة، وتفرض عليها تحالفا غير متوازن، وتكمل ما حققته معاهدة السلام حين أخرجت مصر من اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتضيق مجال التحرك المصري في القضايا العربية والاقليمية والدولية وتوظفه لصالح اسرائيل. وستقف مصر، الى جانب اسرائيل، متهمة بالاخلال باتفاقية جنيف الرابعة، وهي الاتفاقية التي تقف اسرائيل وحدها حتى الآن متهمة بالاخلال بها. إن الامكانيات التي فتحت لابنزاز مصر من قبل اسرائيل لا يمكن حصرها، خاصة أمام وقائع مادية لا يمكن انكارها وهي هذا الجدار الفولاذي ومنظومته المائية وعدم فتح معبر رفح بطريفة رسمية دائمة والاثار الكارثية التي تترتب على اجتماع الحصارين المتفاهمين، الاسرائيلي والمصري.

ومن المؤسف جدا أن مباشرة بناء الجدار قد تصادفت مع ذكرى مرور عام على العدوان الاسرائيلي على غزة، وهي مناسبة جرى تذكرها في العديد من بلدان العالم، وكان من بين التحركات بهذه المناسبة قافلة شريان الحياة رقم 4 لغزة، وتظاهرة “الحرية لغزة” اللتين شار فيهما حوالي الف مخمسمائة ناشط من اربعين دولة أجنبية. وبدلا من التعامل معهما برحابة صدر وبعد نظر يعبران عن حضارة مصر وانسانيتها واحترامها لحقوق الانسان، فانهما فوبلا بعنجهية وقصر نظر غريبين، وبدلا من كسبهما حلفاء ودعاة لمصر، فقد نجح النظام المصري، مع الاسف الشديد، في نقل صورة اساءت الى سمعة مصر اساءة بالغة تنقلت عبر الانترنت الى جميع ارجاء العالم.

وتحركت منظمات حقوق الانسان. وكان من المؤلم أن تفوم مظاهرة في تل ابيب شارك فيها فلسطينيو الداخل واسرائيليون ضد الحصار الاسرائيلي لقطاع غزة وضد الجدار الفولاذي المصري، وهكذا اقترن اسم مصر باسم اسرائيل في المسئولية الجنائية، وقامت مظاهرات في القاهرة نظمها أوروبيون كانوا قد جاؤوا الى مصر للعبور الى غزة رافعين شعار الحرية لغزة، وكانت كذلك المصادمات الدامية في ميناء العريش بين ناشطين من متطوعي شريان الحياة لغزة، كما قامت مظاهرات تندد بالجدار الفولاذي المصري في عواصم اوروبية وبعض العواصم العربية حوصرت فيها السفارات والقنصليات المصرية. الى جانب هذا بدأت منظمات حقوق الانسان الاجنبية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني حملة لمقاطعة البضائع والمنتجات المصرية ومقاطعة السياحة في مصر وسحب الاستثمارات الاجنبية من مصر وعدم الاستثمار فيها. هذه المنظمات هي نفسها التي تقود حملة دولية لمقاطعة البضائع والمنتجات الاسرائيلية وسحب الاستثمارات الاجنبية منها، وبدأت حملتها هذه تؤتي ثمارها. ونتيجة هذا التحرك من جانب منظمات الجتمع المدني في بلدان متعددة أن اسم مصر سينضم، مع الاسف الشديد، لاسم اسرائيل في انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني وارتكاب جرائم ضد الانسانية وضد القانون الدولي يعاقب عليها القانون الدولي والقانون الدولي الانساني، وقد تكون من بين نتائج ذلك ملاحقة مسئولين مصريين أمام القضاء الجنائي الدولي أو القضاء المحلي في الدول التي يمارس قضاؤها اختصاصا عاما في هذه المسائل، تماما كما هو حاصل الآن مع المسئولين الاسرائيليين. واذا كان النفوذ الاسرائيلي قد حال حتى الآن دون مقاطعة اسرائيل مقاطعة مؤثرة، ودون محاكمة المسئولين الاسرائيليين، فإن النفوذ المصري في الاسواق الخارجية وعلى الحكومات الاجنبية أضعف من أن يوفر حماية مماثلة للبضائع المصرية أوللمسئولين المصريين.

إن الذين يتحدثون عن كرامة مصر يجب عليهم أن يتمعنوا كثيرا فيما قد مس هذه الكرامة وأساء اليها وفي ما يجب عمله لاستردادها. وأول ما يجب عمله هو وقف اقامة هذا الجدار وازالة ما أفيم منه، والتفاهم الجدي مع السلطة التي تسيطرعلى القطاع، وهي حماس التي لا يمكن لها أن تسيء الى مجالها الحيوي الوحيد، وهو مصر العربية، بحيث يتم فتح معبر رفح الحدودي بصورة دائمة ورسمية تؤدي الى الاستغناء عن الانفاق، والى مباشرة حركة طبيعية لتنقل الافراد والبضائع، وتساهم في فك الحصار الاسرائيلي وفي تحرير القطاع من الاحتلال وتقويته، حيث قدر له أن يكون القاعدة الامامية في كل مواجهة تفرضها الاطماع الاسرائيلية وطبيعة الحركة الصهيونية، في الماضي أو المستقبل، على مصر والوطن العربي كله. ونزجو من المسئولين في مصر أن يزيلوا من أذهانهم أي تصور بأن من ينتقدون الجدار هذا من أبناء الأمة العربية هم أعداء لمصر أو لا يحرصون على سيادتها وأمنها القومي أو الوطني، فلا يوجد ذلك العربي الذي يعادي مصر أو شعبها الأبي. إنه الحرص على مصر ومكانتها وسمعتها ودورها والحب لها ولشعبها هي المحركات الاساسية لهؤلاء، فمصر هي مصر في قلب كل عربي وفلسطيني ولا يتمنى لها سوى الخير والارتقاء والازدهار.

مطبات الارتجال الفلسطيني في المحافل الدولية

مطبات الارتجال الفلسطيني في المحافل الدولية

مقدمة

يوم الجمعة الموافق الثاني من اكتوبر (تشرين الاول) عام 2009 هو يومٌ اسود في مسيرة القضية الفلسطينية، إذ أنه يومٌ وَجَّهَ فيه من يدعون أنهم يمثلون الشعب الفلسطيني أكبرَ إهانةٍ له واستخفافٍ به وبتضحياته، وحقوقه، خاصة حقه في الحياة . لم يُصَدِّقْ أحد أن الاستخفاف بعقول الناس وبحسهم الوطني وحقوقهم ودماء أبنائهم قد وصل الى هذا الحد من أشخاص يدعون أنهم يحظون بثقة هذا الشعب ويعملون لصالحه والدفاع عنه. وازداد الاستهتار استهتارا بسخافات الناطقين الرسميين الذين اختلفت وتناقضت رواياتهم وتبريراتهم ورؤاهم لما حدث، وإن اعترف بعضهم بأن ما وقع كان خطأ.

وانتظر الناس تصريحا من رئيس السلطة يوضح الموقف قبل ان يعلقوا عليه. وجاء التصريح في مؤتمر صحفي ، ثم في يبان قرأه بعد عشرة أيام من قرار التأجيل، فاذا به يكرر في بيانه الاول ما ذكره بعض من سبقه من الناطقين باسمه ويركز على ما ركزوا عليه من أن فلسطين ليست عضوا في مجلس حقوق الانسان، وبالتالي فان ممثليها لا يستطيعون تقديم طلب بالتأجيل، وأن هذا الطلب قد تقدم به مندوب غير المندوب الفلسطيني وبموافقة عربية واسلامية. وكرر الرئيس كلامه هذا في البيان الذي قرأه في 12 أكتوبر 2009، موحياً بأن الذي يتحمل المسئولية هي الوفود العربية والاسلامية، وأن قرار التأجيل ليس قرارا فلسطينيا. والغريب أن الرئيس لم يعترف بأن “خطأ” قد وقع، مع أن الامين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قد اعترف علنا بذلك، وكذلك اللجنة المركزية لفتح، ولم يعتذر للشعب الفلسطيني عنه، ولم يتحمل أية مسئولية عما حصل أو يطرح تبريرا له، مقنعا أو غير مقنع . لم يكن هذا التصريح في رأي الكثيرين فراراً من المسئولية وتجنيا على الحقيقة فحسب وانما اساءة واضحة للدول العربية والاسلامية التي تحرص دائما على الاستجابة لرغبات الوفود الفلسطينية في المجتمعات الدولية. هذا موقف يترك التساؤلات قائمة حول الأسباب الحقيقية التي كانت وراء طلب التأجيل ولا يريد رئيس السلطة الافصاح عنها، مع أن هذه الاسباب لا بد وأن أفصح عنها رئيس البعثة الفلسطينية لرؤساء الوفود التي كانت مؤيدة لطرح التقرير للنقاش وذلك ولو من باب تبرير الموقف. وبالفعل فقد قرأ الدكتور عزمي بشارة على فضائية الجزيرة النص الكامل لتقرير بعثه أحد المندوبين لحكومته وفيه تفاصيل ما قاله مندوب فلسطين للمجتمعين، والواضح فيه كل الوضوح أن التعليمات بالتأجيل جاءت من رئيس السلطة الفلسطينية، وليس مثلا من حكومة الباكستان. لقد تجنب الرئيس القول بأنه هو الذي أصدر القرار، أو أنه يتحمل المسئولية عنه، وذلك لكونه هو المختص باتخاذ قرارات بهذه الاهمية ولا يجوز له التنصل من تحمل هذه المسئولية، حتى ولو كان القرار قد صدر من غيره. واذا كان الرئيس بعد عشرة أيام من صدور قرار التأجيل لا يعرف من أصدره، مع أن سؤالا لممثل فلسطين في جنيف كاف لكشف الموضوع، فان الأمر فعلا خطير وخطير جدا.

وكذلك لا يجوز له الاحتماء وراء ادعاء بأن القرار اتخذ بموافقة عربية واسلامية وأن المندوب الفلسطيني لم يتقدم هو بطلب التأجيل حيث أن فلسطين ليست عضوا في مجلس حقوق الانسان. صحيح أن فلسطين ليست عضوا في المجلس، ومعظم أعضاء الامم المتحدة ليسوا أعضاء فيه. ولكن اذا أرادت فلسطين أو أية دولة غير عضوة صدور قرار في موضوع معين فكل ما يتطلبه الامر هو اقناع عضو بما تريده فيتبناه ويتقدم بمشروع القرار الذي طلب منه. انها خدمة تقدم، ولكن القرار النهائي هو بيد المندوب الفلسطيني فيما يتعلق بفلسطين. وهذا ما قاله المندوب القطري والمندوب الباكستاني، وكانا صادقين، ولا يليق أبدا تحميل المسئولية لهؤلاء الذين نفذوا رغبات من كانوا في نظرهم يمثلون الشعب الفلسطيني.

نتائج توجيه الاتهامات

ازاء هذا الموقف من قمة هرم المسئولية الفلسطينية ومن هم دونه يجب الا نستغرب مستقبلا، اذا سمح شعبنا لهؤلاء أن يبقوا في السلطة، ألا تجد القضية الفلسطينية من يتبناها في دوائر الامم المتحدة خوفا من تحميله مسئولية يجب أن يتحملها الوفد الفلسطيني وسلطته. ماذا يقول السفير الباكستاني لحكومته التي تخشى أن يصدق شعبها ما قاله المسئولون الفلسطينيون عن موافقته على القرار ومسئوليته عن تقديمه؟ هذا الخطر حاصل الآن بعد أن تقرر تقديم طلب لإعادة التقرير الى جدول الاعمال. هذا هو السؤال الأول، وعليه يجب أن تتركز الجهود الآن. ان التأجيل أتاح الفرصة لاسرائيل لتحشد حلفاءها وتستغل طلب التأجيل هذا وما تلا ذلك الآن من مهاترات رخيصة والتركيز عليها بدلا من التركيز على التقرير نفسه وتوحيد الجهود لضمان اعادته لجدول الاعمال أولا وتبنيه ثانيا.

ولنفترض أن التقرير أعيد لجدول الاعمال، فإن السؤال الذي يرد ماذا سيكون موقف الدول التي وعدت بالتصويت بالموافقة على ما جاء فيه، ثم يأتي صاحب الشأن، ممثل فلسطين، فيتخلى عن موقفه بسحبه لقرار اعتماد التقرير بصورة لا مبرر لها، ثم يحاول التملص من المسئولية عن طلب التأجيل والصاقها بغيره؟ هذه الدول لا بد أنها قد أصيبت بصدمة عندما فوجئت بطلب التأجيل في موضوع بهذه الخطورة، الأمر الذي طعن في مصداقية منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وطني، وفَتَحَ طريقا معبدة لاسرائيل وأمريكا للتأثير على هذه الدول الاعضاء وكذلك المنظمات غير الحكومية واقناعها بعدم جدية المواقف الفلسطينية وعدم الثقة في الفلسطينيين أنفسهم. ومن حق هذه الدول والمنظمات أن تتساءل ما الذي سيضمن لها أنه لن تكون هناك تقلبات جديدة في الموقف الفلسطيني؟ وسنرى أن هذه ليست هي المرة الاولى التي يتنازل فيها المسئولون الفلسطينيون عن مواقف أو قرارات أو تقارير تدعم قضيتهم لاسباب كثيرا ما تبدو غير واضحة، ولكنها ضارة بها في جميع الحالات.

ما حدث في جنيف في يوم الجمعة الاسود 2 أكتوبر 2009 كان انقلابا للأدوار بشكل لافت للأنظار: لم تكن اسرائيل المتهمة هي التي تقدمت بطلب تأجيل اتخاذ القرار، وانما كان المجني عليه، الضحية، الذي ثبت حقه واحتشد انصاره والعالم كله لسماع النطق بالحكم. لقد عاصرتُ، منذ عام 1976، لجنةَ حقوقِِ الانسان، ومن بعدها، مجلسَ حقوق الانسان الذي خلفها، بصفتي ممثلا لمنظمة غير حكومية لها صفة استشارية لدى الامم المتحدة، ولم أشهد في اللجنة أو المجلس موقفا مثل هذا الموقف الذي وُضِعَ فيه ممثل فلسطين وقضيته الحساسة العادلة أمام المجتمع الدولي.

النتيجة اذن هي أن القضية الفلسطينية الواضحة العدالة قد خسرت الكثير نتيجة لمواقف السلطة هذه، وهي مواقف تدل على الارتجال، بل ولربما ما هو أكثر منه، حتى في قضايا في أهمية تقرير كتقرير القاضي جولدستون. وهذه خسارة تمس بعنصر الثقة والمصداقية وسلامة التعامل، وهي أمور ليس من السهل استردادها. إننا ما زلنا لا ندري ما الذي أدى بالرئيس الفلسطيني إلى دفع هذا الثمن الباهظ جدا، الا أنه من المؤكد ان مصداقيته فيما يتعلق بقضيته قد اهتزت، وسيكون من الصعب ترميمها، خاصة وأن الدلائل كلها تشير الى أن ما جرى ليس تصرفا طارئا، وانما هو، كما قال الدكتور عزمي بشارة والدكتور منير شفيق على فضائية الجزيرة، تنفيذ لمنهج سار عليه رجال السلطة منذ زمن.

سوابق أخرى خطيرة من نفس المنهج

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي هدرت فيها السلطة الفلسطينية مكسبا فلسطينيا بعيد الأثر دون مقابل. فقد تخلت القيادة الفلسطينية في أعقاب مؤتمر مدريد عن قرار الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ذلك القرار الذي أزعج الدوائر الاسرائيلية والامريكية والاوروبية ازعاجا كبيرا، الى أن نجحت في الغائه بعد مؤتمر مدريد. ولم يكن هذا الالغاء ممكنا لولا موافقة فلسطينية وعربية واسلامية، حيث أن الالغاء، كالقرار الاصلي نفسه، قد صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة. كان ثمن هذا الالغاء البدء في مفاوضات. وكان ثمن تأجيل النظر في قرار القاضي جولدستون هو أيضا استئناف المفاوضات.

طبعا بدأت مفاوضات، وكانت نتائجها أوسلو وأخواتها، وما فيها جميعها من تنازلات تعاني منها القضية الفلسطينية في كل يوم. الا أن مقاومة الغاء القرار الذي يدمغ الصهيونية بالعنصرية عادت الى الواجهة في المؤتمر الدولي عن العنصرية الذي عقد في مدينة ديربان بجنوبي افريقيا عام 2001 ويشار اليه عادة بِ “ديربان واحد”. مؤتمر ديربان رقم 1 أزعج اسرائيل وحلفاءها لدرجة لا تطاق. في ذلك المؤتمر الدولي ناضلت منظمات حقوق الانسان ذات الصفة الاستشارية لدى الامم المتحدة الى جانب الدول المناهضة للعنصرية ونجحت في اقناع المؤتمر بضرورة ادراج نصوص واضحة في البيان الختامي للمؤتمر بخصوص فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني. قاومت اسرائيل وأمريكا والدول الاوروبية هذه المحاولة، بل وقاطعت المؤتمر، الا أن المحاولة نجحت فوردت ثلاث فقرات بهذا الشأن عبر فيها المجتمعون عن قلقهم “ازاء معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي، واعترافهم بحقه الثابت غير القابل للتصرف في تقرير المصير واقامة دولة مستقلة وحق جميع دول المنطقة ، بما فيها اسرائيل، في العيش بأمان ودعوة جميع الدول لدعم عملية السلام والانتهاء منها على وجه السرعة” (الفقرة 63 من البيان). وفي الفقرة 64 دعا المجتمعون “لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم في المنطقة تتعايش فيه جميع الشعوب وتتمتع بالمساواة والعدل وحقوق للانسان وأمن معترف بها دوليا”. وفي الفقرة 65 جاء في البيان “اننا نعترف بحق اللاجئين في العودة الاختيارية لبيوتهم وأملاكهم بكرامة وأمن، ونحث جميع الدول على تسهيل العودة هذه”.

هذه النصوص ازعجت أمريكا واسرائيل والدول الاوروبية كثيرا، ومثلت انتصارا للقضية الفلسطينية في داخل مؤتمر دولي خاص بالعنصرية، بالتأكيد على حقوقه الثابتة وحق العودة الى “البيوت” و “الاملاك” والتخلص من المعاناة بسبب الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة. وصممت اسرائيل وحلفاؤها على التخلص من هذه النصوص. وبالفعل فقد حشدت قوتها وجلبت أعدادا كبيرة من أنصارها للتشويش على الدورة الثانية للمؤتمر التي عقدت في ابريل 2009 في قصر الامم المتحدة في جنيف، والهدف استبعاد هذه الفقرات الثلاث من البيان الختامي للمؤتمر، بحيث يظهر أن هذا المؤتمر الثاني، الذي هو مراجعة لما تم بعد مؤتمر ديربان الاول، قد شطب هذه الفقرات من البيان الختامي بناء على اتفاق توافقي بين اصحاب القضية أن المشاكل المتعلقة بما ورد فيها قد سويت. وبالفعل فقد شطبت هذه الفقرات الثلاث ولم يرد أي نص في البيان الختامي بشأن القضية الفلسطينية أو الاحتلال الاسرائيلي والمعاناة منه أو حق العودة أو الحق في الاستقلال، وكأن هذه الامور قد أنجزت في الفترة بين المؤتمرين (2001 – 2009).

قرار الحذف هذا قد جاء بموافقة وزير خارجية فلسطين، تماما كما كان قرار تأجيل النظر في تقرير لجنة القاضي جولدستون بموافقة ممثل فلسطين.

والمسئول النهائي في الحالتين هو السلطة الفلسطينية ورئيسها واللجنة التنفيذية. كلهم مسئول. وكما ثارت ثائرة المنظمات غير الحكومية اعتراضا على قرار التأجيل، فقد كان وقع حذف الاشارات الخاصة بفلسطين مؤلما جادا، خاصة وأن ما تحقق في ديربان واحد كان بالرغم من التعنت الامريكي الاسرائيلي الاوروبي. لم يدر أحد ما الذي دفع المندوب الفلسطيني للموافقة على بيان بهذا الشكل، مع أن الاحتلال ازداد ضراوة، ولم يتراجع في الفترة ما بين الدورتين للمؤتمر. لم نعرف شيئا في حينها ولا بعد ذلك، وكل ما وصل الى المسامع هو الثناء المتكرر من الدول الاوروبية على وزير خارجية فلسطين لتعاونه في الوصول الى نصٍ متفقٍ عليه أُجيزَ من دون تصويت. لماذا هذا الحرص على الغاء هذه الفقرات عن طريق ما أصبح يسمى “بالتوافق” دون تصويت ووقع في فخه وزير الخارجية الفلسطيني عن وعي أو غير وعي؟ (من المفيد أن نذكر أن المنظمات غير الحكومية لم تتح لها فرصة التدخل الا بعد أن أقرت الدول الاعضاء البيان الختامي، ولذا لم يكن للمنظمات في هذه الدورة التأثير الذي كان لها في الدورة الاولى، وهذا طبعا مقصود من الدول الاعضاء).

نظرية الاتفاق بالتوافق بدون تصويت

هذه مصيبة تسبب فيها معالي السيد الوزيربالموافقة على الغاء هذه الفقرات، ولا ندري الى أين ستنتهي، حيث أن تحديد الحقوق في المؤتمرات الدولية لا يأتي عبثا، وإنما له أهدافه وأبعاده القانونية التي قد لا تخطر بالبال للوهلة الاولى. وواضح أن القيادات الفلسطينية تتصرف على أساس “الالهام” “والشطارة” ولا تعترف بضرورة أي استعداد أو اعداد مسبق. فمثلا هل حذف الاشارة الى حق العودة مثلا من نفس الجهة الدولية التي كانت قد أقرته سابقا بالتوافق بين الطرفين المعنيين يمكن أن يفسر على أنه توافق على الغاء ذلك الحق أو عدم الالتزام به أو على أنه تم تنفيذه؟ واذا لم يكن كذلك، فما هو الهدف من الحذف إذن في بيان شامل حل محل البيان السابق الصادر من نفس الجهة؟ أليس التوافق دون تصويت هو اتفاقٌ عليه شهودٌ، وإن لم يصوتوا، بحيث يصبح من الصعب عليهم، إن لم يكن من المتعذر، اعادة النظر وارجاع الوضع الى ما كان عليه؟. هذه القضية الدقيقة تنبه لها رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة، ميجيل ديسكوتو بروكمان، وهو من فنزويلا، وأصدر مكتبه بيانا في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان الختامي لمؤتمر ديربان 2 وتنازل فيه وزير خارجية فلسطين عما تنازل. جاء في هذا البيان تعقيبا على بيان المؤتمر: ((“في رأيي أنه شيء جيد أن استطاع الاطراف التوصل الى اتفاق نهائي على النص بطريق التوافق (consensus) . ومع ذلك فانني آسف أن التركيز على الضحايا الذي كان سائدا في مؤتمر ديربان لعام 2001 قد جرى الانتقاص منه في النص الحالي. وآسف كذلك أن الاشارة التي وردت في نص ديربان واحد والذي يعترف بحقوق الانسان للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الحق في دولة مستقلة قد حذف أيضا من النص. إن الامم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة، وقد أجازت القرار رقم 181 منذ أكثر من ستين عاما، ما زالت تتحمل التزامات محددة فيما يتعلق بخلق دولة اسرائيل ودولة فلسطين التي ما زالت لم تتحقق. إنه مبدأ من المبادئ الاساسية في القانون الدولي، وخاصة قانون حقوق الانسان الدولي، أنه اذا اعترف بحق من الحقوق، فانه لا يمكن رفض وجوده أو الغاؤه ، وإن الدول الأعضاء في الامم المتحدة ملتزمة بأن تحترم وتحمي وتنشر حقوق الانسان. انه لمسئولية المجتمع الدولي في مجموعه والامم المتحدة على الخصوص أن تُحَرِّكَ بشكل تقدمي جدول الاعمال الخاص بالدفاع عن هذه الحقوق ونشرها وتقنينها وتنفيذها. “)) (انتهى بيان رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة).

اشارةُ رئيس الجمعية العامة الى “الاتفاق بطريق التوافق” والى القرار رقم 181 (وهو قرار التقسيم) والى مبادئ القانون الدولي، الى غير ذلك مما اشار اليه، له مدلوله المهم في هذا السياق. فبيان ديربان الثاني صدر “بالتوافق وبدون تصويت”. واول تصريح لممثل السلطة الفلسطينية بعد قرار تأجيل النظر في تقرير لجنة القاضي جولدستون تحدث عن أن من اسباب التأجيل هو السعي للوصول الى “توافق” حول القرار الذي يصدره المجلس بشأن التقرير. التوافق هذا يتم اصلا بين الوفد الفلسطيني والوفد الاسرائيلي على نص قرار يقدم للمجتمعين فيجري اقراره من دون تصويت. وقد رأينا نوع التوافق الذي تم مع وزير الخارجية الفلسطيني، وهو ما نعاه رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة وحذر من عواقبه بمحاولة التأكيد على أن هذا الحذف التوافقي يتعارض مع القانون الدولي اذا قصد منه الغاء حقوق سبق الاتفاق عليها. الحذف قد حصل وتمت الموافقة على النص النهائي للبيان بناء على الاتفاق التوافقي الذي تم مع وزير خارجية فلسطين. ومن المؤكد أنه لن يتم الرجوع عن هذا في مؤتمر لاحق، أو لابد من خوض معركة حامية جدا لارجاع ما تم الغاؤه. التوافق الذي يتم يسجل بطبيعة الحال على أطرافه، ويشهد عليه المجتمع الدولي كله. ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي طرحناه عن الأثر القانوني لهذا الاسلوب المستحدث في التعاطي مع القضية الفلسطينية، وهو اسلوب الاتفاق بالتوافق دون تصويت، والذي لا شك أنه كان في صميم اهتمام رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة عندما تعرض لما حذفه البيان من الاشارة الى حقوق الشعب الفلسطيني، ومؤدى موقفه هو أن هناك حقوقا سبق للامم المتحدة أن أقرتها، ولكنها لم تتحقق بعد، مثل حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وفقا لقرار التقسيم، وهناك القرار الخاص بالعودة، فيقول رئيس الجمعية العامة إن ما سبق اقراره من حقوق لا يمكن رفضه فيما بعد أو الغاؤه. هذا هو رأيه، ولكن من المؤكد أن رجال القانون الدولي، وكثير منهم يهود صهيونيون، سيبدأون في تعميق الدراسات حول الاثار القانونية للاتفاق التوافقي، وسيبدأ القانونيون الاسرائيليون دراساتهم لتثبيت كل تراجع فلسطيني والزامهم به. وسيستمر رجال السلطة الفلسطينيون في غفلة عما يجري وفي الاعتماد على “الشطارة” و”الفهلوة” الى غير ذلك من المواهب التي اكتشفها الاسرائيليون بسهولة وأثبتت قيمتها فيما تم من اوسلو وحتى اليوم.

ومهما يكن من أمر، فإن أي اتفاق، سواء كان بهذه الطريقة أو غيرها، يمس بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني لن يكون له أي أثر ولا يُلزِم الشعب الفلسطيني، ومن المفيد أن يتذكر هذا من يدعون تمثيله في مفاوضات أو مؤتمرات أو لقاءات خاصة أو سرية. إن اليقظة التي أظهرها الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بتقرير القاضي جولدستون لن تخبو وسيفرض هذا الشعب وجودهكلما تعرضت قضيته للخطر.

ازاء هذه التجربة مع ممارسة المسئولية، وعوداً الى قرار تأجيل النظر في تقرير القاضي جولدستون، الا يحق للمواطن الفلسطيني أن يتساءل ما الذي كان يمكن أن يتم في فترة التأجيل البالغة ستة اشهر؟ هل ستعترف اسرائيل بالجرائم التي ارتكبتها، أم إن التوافق المطلوب سيكون تنازلا فلسطينيا عن مقاضاة اسرائيل ومجرمي الحرب من رجالها وقادتها أو أي حل من هذا القبيل ؟ هذا هو الذي كان سيحدث اذا استمر التأجيل تطبيقا لنظرية الاتفاق التوافقي، والحجةُ لذلك والمبرر سيكون، مرة أخرى، الحرص على مفاوضات أثبتت عبثيتها بالنسبة للشعب الفلسطيني، وكأنما لا يكفيه ما فُرِّطَ باسمه من حقوق. هذا هو المتوقع، ولربما يكون هذا ما قد تم الاتفاق عليه بالفعل، أي التأجيل في مقابل المفاوضات، ولكنه اتفاق لم يُعلن. الشعب الفلسطيني لم يعد يدري ماذا يصدق وماذا لا يصدق من أقوال السادة المسئولين، وهو يرى الوطن يُنهَبُ والسادة المسئولين كأنهم لا يرون ما يقع. واذا كان هذا هو ما يجري في العلن فما هو يا تُرى الذي يجري خلف الابواب المغلقة؟

ما العمل؟

هذا موضوع آخر، سنعود اليه بعد أن يتقرر مصير تقرير القاضي جولدستون، ولكن من المؤكد أننا سنطالب، من بين ما سنطالب به، بتفعيل منظمة التحرير كمرجعية فلسطينية جادة تحاسب من يتخذون القرارات من جهة وتؤمن أسلوبا علميا واعيا لا ارتجال فيه لاتخاذ القرارات والمحاسبة عليها. واذا استمر القائمون على الأمر في التلاعب بهذا الموضوع، فإن الشعب الذي أقام المنظمة لن يعجز عن إيجاد الوسيلة لتفعيلها. الشارع الفلسطيني يتحرك، في كل أماكن تواجده في الداخل والضفة والقطاع، في المخيمات وفي الشتات، ولن يترك الامور على هذا الحال. ومن المؤكد أنه لن يترك مصيره بيد أي شخص أو فريق يتأكد له أنه يتعايش مع الاحتلال وافرازاته ويتأقلم معه في تصرفاته وخياراته وقراراته.

غير ان المهم في هذه اللحظة بالذات هو حشد الجهود لتصحيح ما حدث ومنع الضرر بالتركيز على ضمان الموافقة على التقرير وتوصياته وضمان المتابعة بحيث لا ينضم هذا التقرير أو قرار مجلس حقوق الانسان الى سلسلة ما أهمل من قرارات والى فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الفاصل، وهي القرارات والفتوى التي أهملتها السلطة الفلسطينية والانظمة العربية اهمالا كاملا، ربما أيضا حرصا على “المفاوضات”.

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

مجلس الكنائس العالمي والمستوطنات الاسرائيلية

‘إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل’. ‘نطالب الحكومة الاسرائيلية بأن تجمد بحسن نية وعلى وجه الاستعجال كافة أعمال البناء الاستيطاني والتوسع فيه، كخطوة أولى في اتجاه ازالة جميع المستوطنات’.

الكلام هذا ليس لمسؤول عربي أو فلسطيني، وليس جزءا من بيان أو قرار رسمي عربي أو فلسطيني، وإن كنا نسمع قريبا منه أحيانا للاستهلاك المحلي. إنه جزء من بيان صدر عن اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي في دورتها المنعقدة في مقرالمجلس بجنيف في الفترة ما بين 26 آب (أغسطس) و2 ايلول (سبتمبر ) 2009، وأُعْلِنَ على الملأ يوم انتهاء الاجتماعات أي في الثاني من هذا الشهر. البيان يقع في ست صفحات باللغة الانكليزية كلها مكرسة لموضوع الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، والغاءِ الاستثمارات الكنسية وفرض المقاطعة. ومن المتوقع بطبيعة الحال أن يكون للبيان نص رسمي باللغة العربية، ولكن يبدو أنه غير متوفر على الموقع يوم كتابة هذا المقال. ويستطيع القارئ الاطلاع على النص الانكليزي وطباعته بزيارة موقع المجلس وهو: http://www.oikoumene.org/’id=7156 .

يُعَرِفُ المجلس نفسه بأنه يدعو الى الوحدة المسيحية في العقيدة وفي الشهادة والخدمة لعالم عادل يعم فيه السلام . وقد تأسس عام 1948 ويضم في عضويته 349 طائفة بروتستانتية وأرثوذوكسية وانجليكانية وغيرها من الطوائف، مما يمثل في مجموعه 560 مليون مسيحي في أكثر من 110 بلدان. ويعمل المجلس بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية. من المؤسف أن الاعلام العربي والعديد من الكتاب العرب قلما يتنبهون بجدية لموقف الكنائس المسيحية في الغرب، وخاصة مجلس الكنائس العالمي، من القضية الفلسطينية، وبالتالي فانهم قلما يتفاعلون بايجابية مع هذه المواقف. وتكون النتيجة أن المواطن العربي العادي وكذلك معظم الحركات الاسلامية تظل تجهل مدى التأييد الذي تحظى به القضايا العربية/الاسلامية، وفي مقدمتها العراق والقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، من الكنائس والمجلس الذي يمثلها. من واجب المسلمين، وخاصة الحركات الاسلامية المتنورة والهيئات العلمية الاسلامية، التي تتفهم روح الاسلام وما يتميز به من تسامح وعقلانية، متابعة هذه التطورات واقامة علاقات حضارية متواصلة بناءة معها انطلاقا من قاعدتين اساسيتين أعلنهما الاسلام وهما: (أولا) ‘لا اكراه في الدين’ و ‘لكم دينكم ولي دين’ وثانيا ‘وجادلهم بالتي هي أحسن’ و ‘انما أنت مبشر لست عليهم بمسيطر’ والمبشر هو الذي يدعو بالكلمة الطيبة، لا بالكلمة التي تُنَفِرُ وتُباعِد، والكلمة الطيبة هي الفريضة الاسلامية. هؤلاء، وكثيرون من الأفراد والمؤسسات من غير المسلمين يختلفون مع حكوماتهم وسياساتها، ويتحملون من أجل ذلك ما يتحملون، وواجبنا الشد على أيديهم لا اهمالهم أو التنكر لهم أو مخاطبتهم بعبارات تحقير أو عداء.

البيان

لنعد الآن الى البيان. في مقدمته المكونة من أربع عشرة نقطة استعرض جوانب من القضية الفلسطينية وما كان المجلس قد اتخذه من قرارات في اجتماعات سابقة. في الفقرة الاولى أشار الى أن قرار التقسيم الذي تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1947 بقيام دولتين في فلسطين قد نفذ في جانب واحد منه، وهو قيام اسرائيل، في حين أن الجانب الآخر، وهو قيام دولة فلسطينية ما زال في انتظار التنفيذ. ويصرح بأن ‘سياسة اسرائيل الاستيطانية في الاراضي التي احتلت عام 1967 هو عائق دون تحقيق هذا الوعد وعائق أمام قرار المجتمع الدولي بشأن دولة فلسطينية قابلة للحياة. إن الاستيطان المتواصل في الاراضي خارج حدود اسرائيل المعترف بها دوليا (حدود الخط الأخضر لعام 1949) مرفوض من قبل جميع العالم تقريبا ويلاقي عدم تصديق واسع الانتشار لأنه غير شرعي وغير عادل ويتعارض مع السلام ويتنافى مع المصالح المشروعة لدولة اسرائيل. ومع أن حق اسرائيل في أن تعيش في أمان يثير تعاطفا ودعما عالميا، الا أن سياساتها في التوسع والضم تولد استهجانا أو عداء لأنها تدل دلالة مباشرة على طبيعة الاحتلال’. النقطة التي ينطلق منها المجلس هي اذن قرار التقسيم ، مع أنه يشير الى حدود عام 1949، وهي ليست حدودا دولية وانما هي حدود هدنة، ولا يعترف بها كحدود بين الدولتين الا بالاتفاق بينهما. والأصل قانونا لمن يعترف بشرعية قرار التقسيم هي الحدود التي رسمها ذلك القرار.

في الفقرة الثانية يصرح البيان ‘بأنه توجد في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، حوالي مائتي مستوطنة تضم 450000 مستوطن. وهذه المستوطنات تجعل محاولات المجتمع الدولي للوصول الى حل سلمي محاولات أشد هزالا ومستحيلة عمليا. وحتى فإن ‘تجميد الاستيطان’ الذي طلبه أهم حليف لاسرائيل، فانه ووجه بدوامة أحرى من التأخيرات المتعمدة والتنازلات المؤقتة والشروط المسبقة التكتيكية – أمور تؤدي الى تآكل حسن النية وتدمير الأمل وتقضي على مفاوضات ذات معنى، وهي مسائل يمكن أن يشملها تجميد يتم عن حسن نية. وهذا الرفض لتجميد التوسع يدل أيضا على رفض للتعامل مع القضية المركزية في الاحتلال والمستوطنات بهذه الصفة’. هذا التحليل للمناورات الاسرائيلية حول الطلب الامريكي لتجميد الاستيطان قلما تجده في أي مكان آخر، وهو يكشف جانبا لا تسمعه من أي مصدر رسمي عربي أو فلسطيني. وغياب حسن النية من المؤكد أنه لا يجرؤ على النطق به أي مصدر من هذه المصادر خوفا من ردود الفعل الاسرائيلية.

في الفقرة الثالثة يكشف البيان طبيعة الاحتلال الاسرائيلي ويركد مرة أخرى ما تضعه اسرائيل من عراقيل في طريق السلام. تقول هذه الفقرة ‘إنه لمما يسر أن الادارة الامريكية وحكومات دول أخرى كثيرة قد عبرت عن تصميمها على ازالة العقبات التي تقف في طريق السلام وأن تسوي الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بمفاوضات موضوعية ونهائية. وهذا سيكون بداية لعلاقات جديدة في شرق أوسط أوسع. ولكن مما لايشجع على ذلك أن الأحداث في الاراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية تكشف مرة أخرى طبيعة الاحتلال الاسرائيلي التي لا تهاون فيها والاسلوب المستمر لخلق عوائق جديدة في وجه السلام’. بهذا يؤكد مجلس الكنائس العالمي أن اسرائيل لا تريد السلام وأنها تصطنع العقبات المتوالية لمحاولة اجهاض المفاوضات الجادة التي تريدها الولايات المتحدة والعديد من دول العالم. وتؤكد هذه السنوات العديدة التي مرت على أوسلو وشهدت تضاعف عمليات الاستيطان والعراقيل التي وضعت في طريق مفاوضات جادة في انتظار استكمال المشروع الصهيوني وهو السيطرة الكاملة على فلسطين بموافقة تفرض على الشعب الفلسطيني في مفاوضات لا مجال فيها الا لقبول الامر الواقع الذي تكون اسرائيل قد فرضته سواء في الضفة أو في القدس. وهذا ما تسعى اسرائيل الآن الى تحقيقه بمناوراتها وتصرفاتها وادعائها في الوقت ذاته بأنها تريد السلام اما الفلسطينيون فهم الذين يماطلون أو لا يوجد بينهم من تتفاوض معه.

في الفقرة الرابعة يستعرض البيان التوسع في الاستيطان بدلا من وقفه وأثر ذلك على الشعب الفلسطيني، ويشير الى الوحدات السكنية التي ستبنى في القدس وبقية الضفة الغربية، والى تدمير المنازل الفلسطينية وطرد سكانها منها والى الخطر الذي تتعرض له الاملاك وذلك تمهيدا للفقرة الخامسة من البيان. في هذه الفقرة يقول البيان ‘إن وجود هذه المستوطنات غير الشرعية والبنى التحتية المرافقة لها بما في ذلك جدار الفصل، وما يسمى ‘بمناطق الأمن’ وشبكة الانفاق الواسعة الانتشار، وطرق التحوي ونقاط التفتيش، كل هذا يحول بين الفلسطينيين وبين أجزاء كبيرة من أراضيهم ومصادر مياههم. إنها تقيد حرية حركتهم وتنتقص من كرامتهم الانسانية الاساسية ويمس بحقهم في الحياة في الكثير من الحالات. كما لها تأثير خطير على حق الفلسطينيين في التعليم والوصول الى مراكز الرعاية الطبية. انها تدمر الاقتصاد الفلسطيني باعاقة حركة انتقال المنتجات، الأمر الذي يجعل وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة شبه مستحيل التحقيق. وهذا يضاعف الشعور بالحرمان من الأرض واليأس في أوساط الشعب الفلسطيني ويساهم في اشعال التوترات في المنطقة ويشكل تهديدا لأمن اسرائيل’.

في الفقرة السادسة يتعرض البيان للقدس فيقول ‘إن المستوطنات غير الشرعية في القدس وحولها يهدد مستقبل المدينة المقدسة، هذا المستقبل الذي يجب التفاوض بشأنه كجزء من اتفاقية سلام شامل. إن المستوطنات تعزل القدس عن باقي الضفة الغربية الفلسطينية، فتفرق بين الاسر وتقطع العلاقات الاقتصادية والدينية والثقافية الجوهرية. ان السياسات الاسرائيلية التي تقيد حقوق الاقامة للمقدسيين بمصادرة بطاقات الاقامة وتضييق أذونات البناء ورفض لم شمل العائلات الخ. تهدف الى تغيير طبيعة المدينة المقدسة التي يجب أن تكون مفتوحة للجميع ومشتركة بين الشعبين والديانات الثلاث. ‘

عدم شرعية الاستيطان

بعد هذه المقدمات ، يسترجع المجلس قراراته في دورات سابقة حول الموضوع. فيشير الى قراره المتخذ في دورة 2002 والذي طالب الدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة بتنفيذ بيان هذه الاطراف الذي أكد على عدم شرعية المستوطنات وعدم شرعية تنميتها ويطالب دولة الاحتلال بأن تحترم تلك الاتفاقية احتراما كاملا وفعالا . كما أشار الى الموقف الثابت للمجلس منذ زمن طويل من أن الافعال الاحادية الجانب قد أحدثت تغييرا جوهريا في جغرافية القدس وطبيعتها السكانية وأن قرارات الامم المتحدة رقم 181و 194و303 والقرارات اللاحقة قد نصت على وضع خاص للقدس تحت نظام دولي وأن اتفاقيات جنيف تحظر اجراء تغييرات بالنسبة لسكان وطبيعة الاراضي المحتلة، بما فيها القدس. وموقف المجلس في دورته عام 2001 وقناعة المجلس بالحاجة الى مقاطعة البضائع التي تنتج في المستوطنات الاسرائيلية غير الشرعية والى ضرورة انضمام الطوائف الاعضاء، كنائس ومؤمنين، في أعمال المقاومة غير العنيفة لتدمير الممتلكات الفلسطينية وطرد الفلسطينيين بالقوة من بيوتهم واراضيهم. وقرار المجلس عام 2005 بأن الكنائس يجب ألا تكون متواطئة في النشاطات غير الشرعية في الاراضي المحتلة بما في ذلك تدمير بيوت واراضي الفلسطينيين واقامة المستوطنات والبنى التحتية المتعلقة بذلك والجدار الفاصل- وتكون لديها فرص اتخاذ اجراءات اقتصادية عادلة وشفافة وسلمية في مواجهة هذه النشاطات غير المشروعة وتأييدا لحلول سلمية للصراع. وقرار المجلس في دورة 2004 عن استهجانه لفرض حدود توسعية من جانب وتضييق متواصل على الجانب الآخرمما يوسع الحضور الاسرائيلي المدني والعسكري داخل الاراضي الفلسطينية، الامر الذي يقوض جميع جهود صنع السلام وكامل مفهوم دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة. ثم أشار البيان الى موقفه عام 1975 من أن الاماكن المقدسة المسيحية يجب أن تتوحد وتستجيب للمجتمعات المسيحية التي تتهدد حياتها وجذورها بشكل متزايد في القدس بسبب سياسات الاستيطان في المدينة. ثم أشار البيان الى النداء الذي وجهه المجلس للطوائف الاعضاء بخصوص مرافقة وتشجيع الانخراط الفاعل والسلمي في مفاوضات سلمية تؤدي الى سلام شامل وعادل يستطيع بموجبه أن تعيش أمتان في تجاور وأمن وداخل حدود معترف بها دوليا. وفي ختام البيان يعود المجلس للتأكيد على مواقفه السابقة بالتفصيل والدعوة الى احترامها.
هذا التذكير بالمواقف السابقة للمجلس والتاكيد على أنها ما زالت مواقفه، وهي مواقف مفصلة تشمل التزاما بعدم شرعية المستوطنات كلها وما طرأ عليها من توسعات، وكذلك ما أحدثته اسرائيل من تغييرات في القدس، ومناشدة الكنائس بدعم المقاومة السلمية للاستيطان ومطالبة الكنائس بمقاطعة البضائع التي يكون منشؤها المستوطنات وسحب جميع استثماراتها منها، وهذا التأكيد على أن ما تجريه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة من توسيع احادي الجانب لحدودها والتضييق على الفلسطينيين من جانب آخر، كل هذا يصعب أن نجده بهذه الدقة والتفصيل في أي بيان رسمي عربي، بل وفي أي بيان لمعظم الفصائل الفلسطينية. إنه يشرح اساس الصراع لاتباع هذه الكنائس ويدعوهم للانضمام لمقاومة ما يجري من غير عنف.

دور الحركات الاسلامية

والسؤال الذي لا بد من إثارته هو لماذا لا يكون هناك استجابة فعالة من جانب المؤسسات والحركات الاسلامية لهذه المواقف؟ لماذا لا يقوم تعاون مشترك منظم ومدروس بين هذه المؤسسات والحركات والمجلس لدعم هذه المواقف وتحريكها في المجتمع الدولي والأوساط الشعبية، اسلامية ومسيحية، في جميع ارجاء العالم حيث توجد هذه الطوائف على الأقل، أي في حوالي 110 بلدا؟ إن عكس ذلك هو ما يحدث في أحيان كثيرة. اننا في حاجة ماسة للتعلم مما يفعله العدو. وكمثال على ذلك نشير الى التعاون الكامل القائم بين العدو والمسيحيين الجدد في الولايات المتحدة. من المعروف أن هؤلاء يدعمون اسرائيل لأنهم يرون في ذلك طريقا لتحقيق إحدى النبوءات التي تقول بأن السيد المسيح سيعود وأن هذه العودة مرتبطة بقيام اسرائيل، وأنه عندما يعود سيصبح اليهود جميعا مسيحيين. أي أن هؤلاء يعملون من أجل انهاء الوجود اليهودي عند عودة المسيح. وفي حفل اقامته هذه الجماعة في امريكا لجمع التبرعات كان السفير الاسرائيلي من بين الموجودين. وعندما سأله أحد الحاضرين كيف يحضر احتفالا كهذا من منظمة هذه أهدافها، كان جوابه: ‘لا ضير في ذلك. عندما يعود المسيح سنرى.’ هذا هم. أما نحن؟

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

تغييب المجلس الوطني الفاسطيني

انعقاد المجلس بيد الأعضاء وليس فقط بيد الرئيس أو اللجنة التنفيذية

مقدمة

1- انتشرت في الوطن العربي ظاهرة استفتاء الشعوب من قبل الحكام، خاصة فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية، وكان معظم هذه الاستفتاءات محل نقد لعدم استيفائها للشروط الموضوعية التي تحكم ممارسة حق الاستفتاء. ويجري الحديث هذه الأيام عن استفتاء الشعب الفلسطيني بشأن ما قد يتم التوصل اليه من اتفاق مع اسرائيل. إن الاستفتاء في حد ذاته أمر مرغوب فيه وتمارسه حكومات، بل وشعوب كثيرة، وفقا للأنظمة المتبعة فيها، ذلك أن الانظمة التي تهتم بأن تتتمشى مع تطلعات ومواقف شعوبها لا تكتفي بالاستفتاءات الرسمية التي تجريها بين الحين والآخر، وانما تتيح للشعب أن يكون هو المبادر الى ممارسة هذا الشأن ليتولى هو ابلاغ الجهات المختصة بما يراه في أي شأن من الشئون العامة. فتقوم المجموعات المختلفة بتنظيم الاستفتاء بمساعدة هذه الجهات، كما أن ما يجري من استطلاعات للرأي هو نوع من الاستفتاء، وإن كان الذي يقوم به مؤسسات تخصصت في الموضوع. ولذا فان الفقهاء يقسمون الاستفتاءات الى نوعين: نوع ملزم يجب اجراؤه والالتزام بنتائجه، ونوع غير ملزم لا باجرائه ولا بنتائجه. والنوع الملزم هو ما نصت القوانين أو الدساتير على وجوب اجرائه والالتزام بنتائجه، وتنص الدساتير والقوانين على الامور التي تخضع لهذا النوع من الاستفتاء. أما النوع غير الملزم فهو ما يجري من استفتاء في غير هذه الاحوال. ولا نريد التوسع في هذه المقدمة ، وسنقصر الحديث عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الاستفتاء ليكون صحيحا وسليما من الناحية القانونية، سواء كان ملزما أو غير ملزم، خاصة في اطار الأوضاع الفلسطينية.

شروط صحة الاستفتاء

2- ليكون الاستفتاء صحيحا يجب أن يستوفي الشروط التالية على الأقل، ما لم تنص الدساتير أو القوانين على شروط اضافية أو شروط أخرى:

(أولا) أن يكون صادرا من الجهة المختصة قانونا باصداره. وهذا شرط له أهميته الخاصة في الاستفاءات الملزمة، لأنه لو جرى من قبل جهة غير مختصة فإنه يفقد صفة الالزام لصدوره من غير ذي صفة. فاذا كان الدستور مثلا يعطي حق الاستفتاء على تعديل الدستور لرئيس الدولة، فان صدوره مثلا من جانب الحكومة فقط أو السلطة التشريعية دون موافقة رئيس الدولة، فان الاستفتاء في هذه الحالة يكون باطلا وعديم الأثر.

(ثانيا) أن يسبق طرح الموضوع على الاستفتاء مراعاة ما تنص عليه القوانين أو الدساتير من اجراءات. فاذا كانت هناك نصوص تشترط مثلا موافقة السلطة التشريعية على اجراء الاستفتاء أو على موضوعه، فيجب الحصول على هذه الموافقة قبل طرح الموضوع للاستفتاء.

(ثالثا) أن يكون موضوع الاستفتاء محددا ودقيقا محصورا في نقطة واحدة معينة بحيث لا يجتمل سوى واحد من رأيين اما “نعم” واما “لا”. مثلا اذا كان الموضوع متعلقا بالمشروبات الروحية، يكون الاستفتاء بالصيغة التالية: ” هل توافق على السماح ببيع المشروبات الروحية؟” هذا سؤال لا يمكن الاجابة عليه الا بلا أو نعم. ولكن السؤال “هل توافق على بيع المشروبات الروحية وتقديمها للسياح فقط؟” لا يحتمل جوابا واحدا فقط بلا أو نعم لأنه ينطوي على موضوعين مختلفين: الاول البيع على اطلاقه والثاني حصر تقديم المشروبات بالسياح. ولذا يجب أن يكون هناك سؤالان منفصلين، الاول خاص بالبيع والثاني خاص بالتقديم للسيح فقط، وكل سؤال لا يحتمل سوى اجابة واحدة بلا أو نعم. ومعنى هذا أنه لا يجوز دمج موضوعين أو أكثر في رزمة استفتاء واحد يُطلب فيه جواب بنعم أو لا عن الرزمة مجتمعة. وهذه المسألة بالذات هي التي تقع فيها المناورات من قبل بعض الانظمة العربية وما جرى من بعض الاستفتاءات. فمثلا عندما يكون الاستفتاء مطلوبا في رزمة واحدة تضم تعديلات دستورية وقانونا خاصا بالاحزاب واتفاقية سلام مع اسرائيل، كيف يمكن الرد عليها مجتمعة بجواب واحد هو لا أو نعم؟ المواطن قد يكون موافقا على الواحد دون الآخر، وفي هذه الحالة لا تستقيم الاجابة على الرزمة بلا أو بنعم. ولذا يجب طرح هذه الموضوعات مستقلة عن بعضها البعض لابداء الرأي في كل منها على حدة. وحتى في التعديلات الدستورية عندما يتعرض التعديل لعدد من المواد. المفروض أن كل مادة تعالج موضوعا مستقلا، ولذا يجب الاستفتاء عنها مادة مادة، لا جمعها في رزمة واحدة يمتنع الرد عليها مجتمعة بلا أو نعم. فمثلا “هل توافق على تعديل المادة كذا من الدستور بحيث يأتي الرئيس بالانتخاب العام المباشر، وتعديل المادة مذا بحيث يشترط أن يكون المرشح للرئاسة رئيسا لحزب ممثل في مجلس الشعب؟” هذا لا يجوز لأن المواطن قد يؤيد الانتخاب المباشر ولا يؤيد القيد المفروض على المرشح، وقد يعترض على الاول ويوافق على الثاني. ولذا يجب طرح كل مادة يراد تعديلها على حدة ليقول المواطن رأيه فيها مادة مادة. أما دس السم في الدسم فير جائز.

(رابعا) أن تكون الفترة الزمنية بين الاعلان عن القرار باجراء الاستفتاء وموعد الاستفتاء الفعلي فترة معقولة تسمح للمؤيدين والمعارضين بعرض مواقفهم على الشعب ليأتي القرار عن وعي وادراك لمفهوم وأهمية ما هو مطروح للاستفتاء، فلا تسلق الامور سلقا سريعا، خاصة في قضايا جوهرية قد يصعب التخلص منها مستقبلا. وفي هذه الفترة الزمنية لا يجوز تقييد حرية الرأي أو ممارسة الضغوط أو الاعتقالات على المعارضين أو المخالفين، والا فقد الاستفتاء معناه.

وسنبحث الآن الوضع الفلسطيني ومدى توفر هذه الشروط فيه.

الاستفتاء الفلسطيني

الجهة المختصة بتقرير اجراء الاستفتاء

3 – موضوع الاستفتاء بشكل عام يتعلق باتفاقية تمس الشعب الفلسطيني كله وتؤثر في حاضره ومستقبله، وهو الى حد ما شكل من أشكال تقرير المصير. ولذا يجب الا يصدر الا عن الجهة التي تمثل الشعب الفلسطيني كله، وهذه الجهة هي منظمة التخرير الفلسطينية ممثلة بالمجلس الوطني الفلسطيني. اللجنة التنفيذية لجنة تنفيذية، أي أنها تنفذ السياسات التي يضعها المجلس الوطني، وليس لها الحق في تقرير هذه السياسات. فالمادة 15 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على ما يأتي: ” اللجنة التنفيذية هي أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة وتكون دائمة الانعقاد وأعضاؤها متفرغون للعمل، وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية”. كما تنص الفقرة (د) من المادة 16 على أن تباشر ،على وجه العموم ” جميع مسؤوليات منظمة التحرير وفق الخطط العامة والقرارات التي يصدرها المجلس الوطني”. ومؤدى هذه النصوص أن اللجنة التنفيذية ليس لها الحق في أن تبدأ أوتباشر سياسات من جانبها الا في داخل الحدود التي رسمها المجلس الوطني، وأن المجلس هو صاحب القرار النهائي في هذه السياسات. صحيح أن المادة 16 (أ) من النظام الاساسي تنص على أن اللجنة التنفيذية تتولى “تمثيل الشعب الفلسطيني”. غير أن هذا التمثيل يمارس في حدود ما خولته الأداة المانحة له، وهو النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وورد النص عليه في المادتين 15 و16(د)، وليس للجنة التنفيذية صفة تمثيلية خارج هاتين المادتين، لاسيما في رسم السياسات واتخاذ القرارات أو ابرام الاتفاقيات. لها أن تتفاوض في حدود ما قرره المجلس الوطني، والمجلس الوطني، الذي هي مسئولة أمامه، هو صاحب القرار في مدى التزام اللجنة التنفيذية بما حدده المجلس وقرره من سياسات. وفي ضوء هذا فانه لا يحق للجنة التنفيذية أن تتخطى المجلس الوطني وتطرح للاستفتاء على اتفاقيات أبرمتها قبل أن يقول المجلس الوطني رأيه فيها، وعندئذ هو الذي يقرر الذهاب للاستفتاء من عدمه. ويصبح الموضوع ذا أهمية خاصة نظرا لأن المجلس الوطني لم ينعقد بجدية خلال العشرين سنة الماضية، وغيب تماما عما يجري، فضلا عن أن بعض أعضاء اللجنة التنقيذية لهم مواقف مسجلة عليهم تتعارض مع قرارات المجلس وما اصطلح على تسميته بالثوابت الفلسطينية.

3- قد يقال إن رئيس السلطة له الحق في ذلك بمفرده أو مع السلطة. وهذا قول لا سند له في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية. ومع احترامنا لرئيس السلطة، فانه من الخطأ تسميته بالرئيس الفلسطيني، حيث أن هذه التسمية قد تضلل البعض عن حقيقة الوضع القانوني، وبالتالي عما يملكه من صلاحيات. الأخ محمود عباس هو رئيس السلطة من جهة ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،من جهة أخرى (وكان الأفضل الفلصل بين المنصبين) ولم ينتخب رئيسا لفلسطين. وانتخابه كرئيس للسلطة لم يشارك فيه سوى المواطنين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، واختصاصاته، بهذه الصفة، هي ما أجازته اتفاقية أوسلو والقانون الاساسي للسلطة. أما اختصاصه كرئيس للجنة التنفيذية فقد حدده أيضا النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، على الوجه الذي بيناه فيما تقدم. وداخل اللجنة التنفيذية فانه لا يتمتع باختصاص ينفرد به، خاصة في تقرير السياسات، وتستطيع اللجنة التنفيذية التي انتخبته رئيسا لها أن تعدل عن قرارها وتختار غيره من اعضائها لرئاستها. ولا يغيب عن البال أن المجلس الوطني ينتخب جميع أعضاء اللجنة التنفيذية، وأن اللجنة، لا المجلس الوطني، هي التي تنتخب رئيسا لها (المادة 13 من القانون الاساسي لمنظمة التحرير). وكانت هذه المادة تنص على أن يتولى المجلس الوطني نفسه انتخاب الرئيس، ثم عُدِّلَت بعد دخول المنظمات في المجلس الوطني للتأكيد على العمل الجماعي للجنة وعدم التمييز بين أعضائها، وتقرر أن تقوم اللجنة نفسها بانتخاب رئيسها، بدلا من أن ينتخبه المجلس الوطني، لأنه في هذه الحالة لا تستطيع اللجنة تنحيته، مما قد يؤدي الى احساسه بأنه في وضع متميز، ويستطيع التفرد في قرارات ومواقف، دون أن تستطيع اللجنة محاسبته عليها وتعاقبه بتنحيته عند الاقتضاء.

4- وليس في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية أي نص عن الاستفتاء. غير أن هذه الوثائق التأسيسية جاءت محددة بوضوح لصلاحيات كل من اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيس السلطة، ولا يجوز لهما تجاوز هذه الاختصاصات، بادعاء اختصاص لم تمنحه لهما هذه الوثائق التأسيسية التي هي مرجعيتهما. ويبقى الاختصاص في المجلس الوطني وحده بصفته المرجعية العليا فيما يتعلق بالقضية وصاحب الاختصاص الضمني في كل ما يتعلق بها وإن لم يرد نص صريح بذلك. ومما تجدر الاشارة اليه أن في المجلس الوطني لجان متخصصة تستطيع أن تنكب على دراسة الجوانب المختلفة للاتفاق بحيث ينكشف ما فيه من مزايا وعيوب تكون موضع حوار داخل المجلس، ومن بين هذه اللجان اللجنة السياسية واللجنة القانونية. وبناء عليه تستطيع اللجنة التنفيذية أن تتفاوض في حدود ما رسمه المجلس الوطني من سياسات، ولكن نتيجة هذه المفاوضات تخضع لموافقة المجلس قبل اجراء أي استفتاء، والمجلس نفسه هو الذي يقرر ذلك.

مشكلة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني

5- المشكلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني هو هذا التغييب الكامل للمجلس الوطني. لقد تفاوضت المنظمات بشأن هذا المجلس، واتفقت، ولكن اتفاقها لم ينفذ حتى الآن، ولا يصح أن يترك مصير المجلس الوطني بيد المنظمات. فالفصائل والمنظمات ليست هي كل الشعب الفلسطيني، في حين أن المجلس الوطني هو للشعب الفلسطيني كله، وليس للمنظمات. المنظمات لها أعضاؤها الذين يمثلونها داخل المجلس، ولكن وجود المجلس وانعقاده وقيامه بواجباته ليس مرهونا باتفاق الفصائل. وقد أفتت اللجنة القانونية في المجلس أيام أن تشرفت برئاستها بأن أية اتفاقيات تتم بين الفصائل لا تكون ملزمة للمجلس. من حقها أن تعرض على المجلس هذه الاتقاقيات، وللمجلس أن يرى رأيه فيها، حيث أن المجلس يضم مستقلين أيضا، وكنوا هم في معظم الاوقات الاغلبية. إن المسئولية عن تعطيل المجلس وتغييبه تقع على رئيس المجلس وعلى اللجنة التنفيذية وعلى الاعضاء أنفسهم الذين لم يطالبوا بشكل منظم بانعقاد المجلس. فالمادة 18 من اللائحة الداخلية للمجلس الوطني تنص على ما يلي: ” ينعقد المجلس دوريا بدعوة من رئيسه مرة كل سنة أو في دورات غير عادية بدعوة من رئيسه بناء على طلب من اللجنة التنفيذية أو من ربع أعضاء المجلس. فاذا لم يدع رئيس المجلس الى مثل هذا الاجتماع يعتبر الاجتماع منعقدا جكما بالمكان والزمان المحددين في طلب أعضائه أو طلب اللجنة التنفيذية”. الرئيس موجود، وكذلك اللجنة التنفيذية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون قد مد في عمر ربع أعضاء المجلس بعد هذه المدة الطويلة على عدم انعقاده. والمجلس القائم لم يجر حله. أما الفصائل فلا دور لها في دعوة المجلس للانعقاد الا من خلال عضويتها في اللجنة التنفيذية أو الا اذا كان لها من عدد الاعضاء ما هو ربع أعضاء المجلس، أو تحالفت مع عدد كافٍ من أعضاء المجلس للوصول الى هذه النسبة. وقد تعمدت لجنة الميثاق والانظمة في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على ادراج هذا النص في النظام الاساسي للمنظمة لتقطع الطريق على امكانية تحكم رئيس المجلس الوطني أو اللجنة التنفيذية في دعوة المجلس الوطني للانعقاد، فأتاحت الفرصة للأعضاء أنفسهم لتوجيه هذه الدعوة، اذا توفرت النسبة المطلوبة واستطاعت توفير مكان للانعقاد. فاذا توفرت هذه النسبة عقد الاجتماع في المكان والزمان المحددين في الدعوة، سواء رضي رئيس المجلس أو اللجنة التنفيذية أم لم يرضيا. واذن فامكانية الدعوة للانعقاد موجودة، بعد اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك، وعلى الاعضاء والفصائل أن تنشط في هذا الاتجاه. المشكلة العملية هي في ايجاد الدولة التي تقبل أن تستضيف المجلس الذي بلغ عدد أعضائه في آخر اجتماع له حوالي أربعمائة. إن العدد الحالي لا شك أنه أقل من هذا بكثير، فقد توفي من توفي وأصبح عاجزا من أصبح بعد مضي حوالي عشرين سنة على آخر اجتماع جدي منتظم للمجلس. وعلى أية حال فقد كان المجلس ينعقد باعضائه وضيوفه، وبالامكان الاستغناء عن الضيوف والمراقبين، كما أن كثيرا من أعضاء المجلس كانوا يتحملون نفقات سفرهم واقامتهم، وعلى الفصائل أن تتحمل ذلك بالنسبة لممثليها.

ضم أعضاء جدد للمجلس الوطني وقضية الانتخابات

6- قد يقال إن المجلس الحالي لا يضم فصائل ظهرت على الساحة الفلسطينية ولا يجوز تجاوزها. هذا ضحيح، حيث أن المجلس يجب أن يضم ممثلين عن جميع القوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني. ولكن من الصحيح أيضا أنه لا يجوز فرض شروط مسبقة على من يجوز له أن يكون عضوا، وعلى وجه الخصوص لا يجوز أن يشترط عليه قبول جميع ما سبق للمجلس أن اتخذه من قرارات أو رسمه من سياسات. المجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني، والبرلمانات تضم أعضاء من جميع الاتجاهات. وفي المجلس الحالي ذاته تم الاعتراف بوجود معارضة. وقد جرى ذلك في دورة الجزائر عام 1988، وهي آخر دورة فاعلة للمجلس. في تلك الدورة أقر المجلس وثيقتان، الاولى وثيقة اعلان الاستقلال، وجرى اعتمادها بالاجماع. أما الثانية فكانت البيان السياسي الذي حدد سياسة المنظمة للمرحلة القادمة. وهذه الوثيقة تمت الموافقة عليها بالاغلبية فقط، حيث كان هناك معارضة. وكان يقود المعارضة في ذلك الوقت المرحوم فقيد فلسطين الدكتور جورج حبش. وأقر المجلس مبدأ المعارضة كمعارضة معترف بها. هذه هي طبيعة العمل البرلماني السليم. أما محاولات فرض منظور معين على الجميع فذلك يتعارض تماما مع الديموقراطية البرلمانية التي تبناها الشعب الفلسطيني. وفي مسيرة المجلس الوطني لم يكن هناك اجماع الا على وثيقة اعلان الاستقلال. وأعضاء المجلس يذكرون أنه في دورة الجزائر بالذات نجح قرار عارضه الرئيس الراحل معارضة صريحة بالتكلم ضده أثناء مناقشته ثم اثناء التصويت عليه، وهو مشروع القرار الذي تقدمت به بصفتي رئيس اللجنة القانونية يطالب بوضع قانون اساسي للدولة العتيدة التي أعلن عن استقلالها في تلك الدورة. المجلس الوطني كان دائما سيد نفسه، كانت فيه معارضة وكان فيه حوار مسئول. ولذا لا يصح فرض شروط على عضوية المجلس تتعلق بالرأي أو الموقف السياسي، وها هي اسرائيل مثال بارز على ذلك حيث يضم الكنيسيت أعضاء من أقصى اليمين المتطرف غاية الطرف الى ما دون ذلك، ومجلس الوزراء كذلك، أم إن الحلال لهم حرام علينا؟.

7- ولكن كيف يمكن ضم أعضاء جدد للمجلس في ضوء التغيرات التي وقعت داخل المجتمع الفلسطيني بعد تشكيل المجلس الحالي؟ تعرضت لذلك المادة 32 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير فنصت على ما يلي: “يحق للمجلس الوطني، وتعود له وحده صلاحية ضم أعضاء جدد اليه من حين لآخرن حسنما يرى ذلك ملائما، وبحسب ما تمليه متطلبات معركة التحرير، ومقتضيات تعميق الوحدة الوطنية، في ضوء أحكام الميثاق الوطني، وذلك وفق نظام تقدمه اللجنة التنفيذية في الدورة المقبلة”. ولا أذكر أن اللجنة التنفيذية تقدمت بهذا النظام، ومع ذلك يبقلى الأصل، وهو حق المجلس الوطني في ضم أعضاء جدد مراعاة للاعتبارات الواردة في المادة المذكورة. وبناء عليه يمكن للمجلس أن ينعقد بأعضائه الباقين الحاليين، وفي مقدوره في الجلسة الاولى أن يضم أعضاء جددا. وقد ضم المجلس أعضاء جدد، وهذا هو السبب في تضخم عدد الأعضاء. وهذا النص لا يترك ضم الاعضاء الجدد للمساومات بين الفصائل، وانما الذي يبت فيه نهائياً هو المجلس نفسه بقرار منه، بعد أن يستمع الى مبررات الضم. إن تطبيق هذه المادة يعين على عقد اجتماع للمجلس الوطني ليقوم بدوره من مراجعة السياسات السابقة التي اتخذها في ضوء تغير الظروف، ويكون مناسبة لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة، ومساءلة اللجنة التنفيذية الحالية ومحاسبتها بطريقة دستورية سليمة، ويتيح في الوقت ذاته ضم أعضاء جدد لمشاركة القوى التي جدت على الساحة الفلسطينية، في انتظار انتخاب مجلس جديد. أنه لا يجوز أن يظل المجلس معطلا في انتظار اتفاق الفصائل أو في انتظار انتخابات جديدة، قد تقع أو لاتقع. ونود أن نُذَكِّرَ الإخوة بأن موضوع الانتخابات ليس جديدا، فقد تعرضت له المادة 5 من النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ونصت على أن يكون انتخاب الاعضاء “عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية”. غير أن هذا النص قد تعذر تنفيذه تنفيذا كاملا، ذلك أنه، بعد اعلان قيام منظمة التحرير في القدس عام 1964 واقرار الميثاق الوطني والنظام الاساسي لمنظمة التحرير، تَقَدَّم المرحوم الاستاذ أحمد الشقيري (أبو مازن) بتقريره للقمة العربية وطلب أن يسمح له باجراء انتخابات للمجلس الوطني، فأحاله الرؤساء للتفاوض مع كل دولة عربية على حدة. وطاف أبو مازن بين هذه الدول، فلم توافق دولة واحدة على اجراء هذه الانتخابات من قبل الفلسطينيين المقيمين في أراضيها. ومن هنا جاء الاختيار بدلا من الانتخاب. فهل تغيرت الأوضاع؟ وهل سيسمح للفلسطينيين في الافطار العربية أن يجروا انتخابات حرة نزيهة، تحت مراقبة دولية كتلك التي أجروها عام 2006؟ وهل من مصلحة القضية أن يظل المجلس الوطني معطلا الى أن تتاح فرص الانتخاب؟ المجلس الحالي لا يزال قائما بالرغم من مضي المدة، ذلك لأن المادة 6(أ) من النظام الاساسي لمنظمة التحرير تنص على أنه “اذا تعذر اجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني استمر المجلس الوطني قائما الى أن تتهيا ظروف الانتخابات.” كما أن الفقرة (ب) من نفس المادة تنص على أنه ” اذا شغر مقعد أو أكثر في المجلس الوطني لأي سبب من الاسباب، يعين المجلس العضو أو الأعضاء لملء المقاعد الشاغرة”.

8- نخلص من هذا الى أن المجلس الوطني هو صاحب القرار في اجراء الاستفتاء، وأنه بالامكان تفعيل هذا المجلس بحيث يضم كل القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية، وأن المماطلة في عقده لا مبرر لها، وانما تضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.

مراعاة مسبقة لما تنص عليه الدساتير والقوانين

9- سبق أن ذكرنا أنه لم يرد بشأن الاستفتاء نصوص لا في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا في القانون الاساسي للسلطة الوطنية. وفي هذه الحالة يراعى ما جرى عليه عرف الدول التي يشابه نظامها الدستوري النظام الفلسطيني، أي الدول ذات النظام البرلماني الديموقراطي وتعترف بالتعددية كأساس لهذا النظام.

موضوع الاستفتاء

10 – إن الإساءة الكبرى التي يتعرض لها الاستفتاء تكمن في نوعية طرح الاسئلة التي يراد الرد عليها إما بنعم وإما بلا. وقد سبق أن بَيَّنا أن موضوع الاستفتاء يجب أن يكون محددا في مسألة واحدة لا تحتمل سوى الرد بلا أو نعم، وقدمنا أمثلة على ذلك. وفي موضوع بخطورة استفتاء الشعب الفلسطيني على مصيره لا يجوز اطلاقاً التلاعب أو المناورة أو التعمية بالاستفتاء على رزمة واحدة هي الاتفاقية برمتها بحيث يطلب الموافقة عليها أو رفضها بالجملة. ومن المؤسف أصلا أن يصل الأمر الى الاستفتاء. الموضوع في الوقت الحاضر منحصر في انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 ، وما ترتب عليه من آثار. وهذا سؤال لا يحتاج الى استفتاء، واذا أُريد طرحه، فالسؤال في غاية البساطة: “هل توافق على انهاء الاجتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب عام 1967 وما ترتب عليه ما آثار؟” وهو سؤال يمكن الاجابة عليه بلا أو نعم. ولكن يبدو من مجريات الأمور أن المفاوضات تسير في اتجاهات أخرى تحت تأثير المناورات الاسرائيلية الامريكية. فهناك حديث عن اتفاق مبادئ جديد أو اتفاق حول إطار عام للحل. وهذه كلها عبارات مبهمة خالية من التفاصيل، والمشكة دائما في التفاصيل، في كل نص على حدة وفي كل مسألة على انفراد. ولذا فاننا لا نرى جدوى من استفتاء من هذا القبيل.

11 – لقد جربنا اتفاق مبادئ أوسلو، ولن يختلف عنه، من حيث المبدأ، اتفاق أصبح يسمى باتفاق اطار للحل. وكما مضى على اتفاق اوسلو خمس عشرة سنة حتى الآن للوصول الى اتفاق اطار ضاعفت اسرائيل خلالها المستوطنات اضعافا وهودت القدس أو كادت، فاننا لا ندري ما الذي سيكون عليه الحال بعد خمس عشرة سنة اخرى تنقضي في مفاوضات عبثية أخرى لتفسير معنى “الاطار” وتعيين حدود اضلاعه الأربعة أو الاربعين. لقد سمى المحلل الاسرائيلي هذه الاتفاقية ب”اتفاق الرف” ووصف الجهود الميذولة للوصول اليها بأنها جهود دبلوماسية شكلية فقط، وأنها لعبة مسرحية تثير الانطباع بأن هناك حوارا يجري، وأن هدفها من جانب أولمرت هو ابعاد الميل الآخذ في التعزز في الاسرة الدولية باقامة دولة ثنائية القومية فوق “ارض اسرائيل كلها”. هل سيجري استفتاء على “اطار” خالٍ من مضمون محدد المعالم بدقة بحيث يمكن معرفة ما فيه؟ قد تجري محاولات، وقد يصور الاطار على أنه حقيقة ثابتة، ولكننا نعلم ان الاتفاقيات مع اسرائيل هي كالرمال المتحركة تجرف الحقوق الفلسطينية بسبب ما تنطوي عليه هذه الاتفاقيات المبدئية من غموض واختمالات متناقضة.

12 – لا نريد أن نخوض في التكهنات والاحتمالات فيما ستنتهي اليه هذه المفاوضات اذا استمرت، وأغلب الظن أنها ستستمر ولو لإرضاء الرئيس الامريكي. ولكن لنتصور في حدود ما يتوقعه الفلسطينيون من نصوص تتعرض للثوابت الفلسطينية. قد ينص الاطار على “انسحاب اسرائيلي لحدود هدنة عام 1949 مع تعديلات طفيفة”. هذا اطار مطروح من جانب أحد وزراء الخارجية العرب. وقد يكون اطار بالنسبة الى القدس ينص على أن “تكون المدينة موحدة وعاصمة للدولتين وتمارس كل دولة السيادة على الاجزاء منها التي يقطنها مواطنوها”. أو أن “فلسطين من النهر الى البحر هي الوطن التاريخي والقومي للشعبين الفلسطيني واليهودي”. هذه الامثلة ليست فرضيات، وانما جرى طرحها من جانب اسرائيل وقيل إن الرئيس أبو مازن قد وافق عليها عام 2005 وأن الاتفاق كان جاهزا، ولكنه وضع على الرف لأن انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 جاءت على خلاف التوقعات. غير أنها، من الجانب الاسرائيلي على الأقل، تصلح أن تكون جزءأً ما اتفاق الاطار للحل. فهل تصلح هذه، حتى ولو أستفي عنها واحدة واحدة، أن تكون موضوع استفتاء؟ المغريات للمفاوض الفلسطيني واضحة، والصياغة الاسرائيلية تعمدت هذا، وقد يقع المقاوض الفلسطيني في حبال الاغراء هذه، ويوافق على طرحها للاستفتاء، وقد وقع فعلا في هذه الحبال، ونشرنا في القدس العربي مقالين بشأنها، أوضحنا فيهما المخاطر والمزالق، وطالبنا بنفي الاتفاق الذي زعمته الصحافة الاسرائيلية. ولم يصدر هذا النفي.

13 – من الناحية الشكلية فقط لا يجوز الاستفتاء على اتفاق كهذا بحيث يكون المطلوب هو الجواب بلا أو بنعم على الاتفاق في مجمله لأن كل بند من هذه البنود غامض وغير محدد. ففي موضوع الحدود، ما معنى “التعديلات الطفيفة” التي يراد ادخالها على حدود الهدنة؟ ثم في ضوء المتغيرات الديموغرافية التي تجريها اسرائيل يوميا في القدس وما ستجريه فيما بعد هذا الاتفاق، حتى ولو نص على التزامها بالامتناع عن اجرائه، ما الذي تبقى من القدس فلسطينيا في أرض الواقع؟ وهل بقي منها ما تمارس الدولة الفلسطينية السيادة عليه، باستثناء سيادة رمزية في أحسن الأحوال؟ وكذلك الأمر بالنسبة لكون فلسطين وطنا تاريخيا وقوميا للشعبين الفلسطيني واليهودي. القصد من وراء هذه الصياغة واضح. لا أحد يطعن في أن فلسطين وطن تاريخي وقومي للشعب الفلسطيني، ولكن موضع التساؤل هو الفرصية الثانية. عندما يكون اطار الاتفاق بهذا الشكل ويطرح للاستفتاء فان المُستَفتَى من ابناء الشعب الفلسطيني يقع في حيرة من أمره بسبب الغموض من جهة وظاهر الاغراء من جهة ثانية والتسليم بما لايمكن التسليم به من جهة ثالثة. ولذا لا يمكن الجواب عليه بلا أو نعم.

14 – ولذا يجب أن يتحول كل موضوع منها الى عدد من الاسئلة تطرح موضوعا محددا. فمثلا في موضوع الحدود تكون الاسئلة كالاتي: (1) هل توافق على الانسحاب الاسرائيلي الى حدود هدنة 1949؟” (2) هل توافق على ادخال تعديلات طفيفة غير محددة الآن على تلك الحدود؟” (3) ” اذا أجبت بنعم على السؤال الثاني، هل يجب أن تكون التعديلات محددة ومعروفة لكي توافق عليها؟” كل سؤال من هذه الاسئلة يحتمل الجواب بلا أو نعم دون أن يكون في الموقف غموض. ويمكن صياغة الاسئلة بالنسبة للموضوعات الأخرى استنادا الى هذه القاعدة. وهذا ينصرف الى كل نص من نصوص الاتفاق. فما ينال الموافقة يكون مقبولا وغيره يكون مرفوضا. وهناك جهات متخصصة في اجراء الاستفتاءات يمكن الاستعانة بها.

15 – إن الامثلة السابقة تبين الأهمية القصوى لوجوب دراسة جميع الاقتراحات والطروحات الاسرائيلية والفلسطينية على حد سواء دراسة تحليلية واعية متأنية، واعادة دراستها وتحليلها، من جهات غير تلك التي تفاوضت بشأنها والتي لا تكون متأثرة بأجواء قد لا تكون ملائمة، كمثل وجود العائلات والاطفال من الجانبين معا والمعايشة، كما حصل عند التفاوض على اعلان مبادئ أوسلو. المفاوضات الجادة ليست مناسبة للتفسح أو لإنشاء علاقات اجتماعية وأسرية. والجهة التي تستطيع أن تدرس وتزن يجب أن تكون غير الجهة التي تفاوضت، وفي الحالة الفلسطينية هي المجلس الوطني الفلسطيني ومستشارون مستقلون أكفاء كأولئك المحامين الذين مثلوا فلسطين أمام محكمة العدل الدولية في قضية الجدار.

من الذي يُسْتَفتَى؟

16 – سُئِل أحد مستشاري رئيس اللجنة التنفيذية، وما أكثر من يتبرعون بالردود والحديث للفضائيات، عن الفلسطينيين الذين سيجري استفتاؤهم، فأجاب فلسطينيو الضفة والقطاع، ومن هم في الشتات قدر الامكان. وغاب عن السيد المستشار أن غالبية أبناء الشعب الفلسطيني هم في الشتات، ولا يكفي ابدا في قضية مصيرية أن تكون دورهم “بقدر الامكان” بما تتضمه هذه الكلمات من استخفاف متعمد أو غير متعمد. وفلسطينيو الشتات لا يهمهم فقط موضوع حق العودة، وانما يهمهم أيضا كل ما يهم الأهل في الداخل. والتات الفلسطيني يشمل اللاجئين المقيمين في المخيمات وغيرهم من ابناء فلسطين من يعيشون خارج أرض الوطن، وهم ممثلون في المجلس الوطني الفلسطيني، وهم القادرون على ترتيب الاستفتاء وتنظيم الاشراف عليه، ومعظمهم ينتمي للجالية الفلسطينية في البلد الذي يقيم فيه. ومن المؤسف أن اللجنة التنفيذية حاربت كل تجمع فلسطيني في الشتات واعتبرته اعتداء على سلطاتها وأن هدفه الاطاحة بمنظمة التحرير. ونسيت اللجنة أن سلطتها مستمدة من هذا الشعب، في الوطن والشتات، وأنه هو صاحب القضية ومن حقه أن يتلاقى وأن ينظم نفسه لحماية حقوقه في وطنه والدفاع عنها، خاصة عندما يرى ما يراه من اللجنة وأعضائها. الاستفتاء يجب أن يشملهم جميعا، والمجلس الوطني وحده هو الذي يضع القواعد ويحدد اسلوب ووسيلة الاستفتاء بصفته جامعا لممثلي الشعب في الارض وفي الشتات.

مصير الاستفتاء

17 – والسؤال الأخير هو متى يعتبر الاستفتاء ملزما؟ تختلف الأعراف في هذا الشأن. فهناك من يشترط نسبة معينة يجب توفرها في المشاركين فيه من بين مجموع من لهم الحق في المشاركة ثم أن ينال الاستفتاء أغلبية معينة من بين هؤلاء، كالاغلبية البسيطة أو أغلبية الثلثين. ويشترط هذا كله عادة عندما يكون موضوع الاستفتاء ذا اهمية خاصة. وثمة اعراف تكتفي بالاغلبية البسيطة للمشاركين بغض النظر عن نسبة المشاركين من بين من لهم الحق في المشاركة. وحيث أنه لم يرد نص خاص بالاستفتاء في النظام الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فلعله من المفيد الاستهداء بالأغلبيات المطلوبة لصحة قرارات المجلس الوطني، حيث أن المجلس مخول باتخاذ اخطر القرارات بالنسبة للقضية. وقد نصت المادة 12 من النظام على:” يتكون النصاب القانوني للمجلس بحضور ثلثي أعضائه، وتتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين.” والنسبة الثانية الواردة في النظام تتعلق بتعديله وهي المادة 55 والتي تشترط أن يفوز التعديل بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وليس ثلثي الخاضرين. ونظرا لخطورة موضوع الاستفتاء وما ينطوي عليه من آثار فاننا نرجح أن ينال الاستفتاء في كل بند من بنوده التفصيلية موافقة ثلثي المشاركين فيه من المقيمين ومن هم في الشتات، أي ثلثي كل فئة على حدة بسبب اختلاف الظروف التي تحيط بكل فئة. وفي جميع الاحوال فان هذا الموضوع متروك ليرى المجليس الوطني رأيه فيه كعنصر من عناصر ترتيبات الاستفتاء.

حق العودة

حق العودة

مقدمة

1 – إن حق الانسان في العودة الى بلده اذا غادره لأي سبب من الأسباب هو من الحقوق الطبيعية البديهية التي لم تكن في حاجة الى تقنين أو نصوص دستورية أو اتفاقيات دولية. هو حق مستمد من انتماء الانسان الى ذلك البلد دون غيره من أقطار الكرة الأرضية، هذا الانتماء الذي يعبر عنه بالاقامة المستقرة المعتادة فيه نتيجة للانتماء له، ومشاركته في ارثه التاريخي وفي وتراثه عبر أجيال متعاقبة، وهو حق تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل بطريقة تلقائية لا تتطلب اجراءات أو معاملات. الانتماء هذا هو العلاقة العميقة في كيان الانسان ووجدانه التي تستقر ولا تنفصم بين الانسان ووطنه. وهذا الانتماء والارتباط بالوطن أعمق من أن تنتفصه أو تؤثر في وجوده واستمراره ظروف طارئة قد لا يكون للانسان يد في حدوثها أو في القدرة على منعها، كالاحتلال الاجنبي، كما لا يفصمها غياب اختياري كالانتقال لبلد أجنبي للعمل أو الدراسة. قالأصل يبقى: وهو هذا الأصل هو الحق في العودة بناء على ذلك الانتماء. وتفريعا على هذا فاننا نجد أن عددا من الدول لا تعترف باكتساب ابنائها لجنسيات أخرى. هي لا تعاقبه على ذلك وقد لا تحظره عليه، وانما تعتبر أن ارتباطه بها لا ينقطع وأنه في اللحظة الاولى التي يعود فيها يعتبر مواطنا كامل المواطنة. كما أن دولا أخرى تجيز العودة للوطن لكل من يثبت أن أصوله كانت فيه ويرغب هو في العودة الى أصوله. أي أن الانتماء لا ينقطع بمضي المدة. وهكذا نرى عودة المهاجرين الى وطن الآباء والأجداد، مهما تقادم العهد، اذا حنوا للعودة اليه، وزالت العقبات التي كانت تحول دون تحقيق هذه الرغبة، كالاحتلال الاجنبي. إن حق الانسان في العودة الى وطنه، حق ثابت له فيه، دون غيره من الاوطان، ولذلك فإن هذا الحق لاتقيده قيود، ويمارسه الانسان بصورة تلقائية، في حين أنه في حاجة الى موافقات وتأشيرات اذا اراد الدخول أو العودة الى أي قطر آخر أو الاقامة فيه. ان الانسان يستطيع العودة الى وطنه حتى لوكان جواز سفره قد انتهت مدته، دون أن يكون هناك نص قانوني يتعلق بالموضوع.

2 – وقد نشأت الحاجة لبحث هذا الحق والتأكيد عليه كحق من الحقوق الثابتة للانسان نتيجة للحروب، وخاصة الحربين العالميتين الاولى والثانية، والنزاعات التي ترتب عليها مغادرة المواطنين لأوطانهم باعداد كبيرة، الأمر الذي استوجب تثبيت حقهم في العودة لاوطانهم. كما ظهرت حركات التحرر من الاستعمار الاجنبي الذي يتنافى مع أبسط مشاعر الانسان في الحرية قي وطنه والسيادة عليه. أي أن الظروف قد تكاتفت للتأكيد على خقوق الانسان من جهة أنه انسان، والتأكيد على حقوقه من جهة أنه كائن في مجتمع ينتمي اليه في جزء من هذا العالم قد استقر فيه وأقام وجوده وتراثه وتاريخه. فكانت القفزة الهائلة في ظهور منظمة الامم المتحدة تعبيرا عن موقف الشعوب من جميع هذه الحقوق. ولهذا فقد صدر ميثاق المنظمة الجديدة باسم الشعوب، لا الحكومات، وكان ذلك في 26 يونيو 1945 ودخل الميثاق حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945. ونصت ديباجته ، فيما نصت عليه، على أن شعوب الامم المتحدة قد عقدت العزم على اعادة التأكيد على ايمانها بالحقوق الاساسية للانسان، وجعلت من بين أهدافها اشاعة حقوق الانسان والتشجيع على احترامها بالنسبة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين. وبدأت تتهاوى قلاع الاستعمار أمام حركات التحرير الوطني التي بدأت تسترد للشعوب حريتها واستقلالها وحقوقها، فتغير وجه الامم المتحدة تغيرا جذريا، وأصبحت السيطرة في جمعيتها العمومية لدول تحرص على الحفاظ على حقوق الانسان والشعوب في مواجهة نزعة التسلط التي لم تتخلص منها دول كبرى ما زالت تحلم باقامة الامبراطوريات والسيطرة على الشعوب الأحرى، مما يتناقض كل التناقض مع الدوافع التي حركت قيام الامم المتحدة وأهدافها المدونة في ميثاقها.

3 – وبالرغم من هذه النزعة التسلطية لدى البعض، فقد استطاعت الجمعية العمومية للامم المتحدة أن تخرج الى الوجود العديد من الاعلانات والمواثيق الدولية والقرارت التي تُثَبِّتُ للانسان وللشعوب حقوقهما، بحيث أصبحت هذه الاعلانات والمواثيق والقرارات مرجعية يحتكم اليها. ويهمنا فيما نحن بصدده أن نشير الى عدد من القرارات والاعلانات والمواثيق التي تعرضت لحق العودة وحماية حقوق اللاجئين بشكل عام قبل أن ننتقل لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وذلك للتأكيد على عمومية هذا الحق، وأن تمسك الفلسطينيين بحق العودة هو الأصل، حتى في النظام القانوني الدولي المعاصر، فضلا عن كونه حقا طبيعيا لا مجال للمماحكة فيه.

4 – ومن بين هذه الفرارات والاعلانات والمواثيق الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادرفي 10 ديسمبر 1948 ، واتفاقيات جنيف الاربعة التي تمت الموافقة عليها قي 12 أغسطس 1949 ، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 ، والقرار بانشاء المفوضية العامة للاجئين لعام 1951 ، والاتفاقية الخاصة بعديمي الجنسية لعام 1954، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، والاتفاقية الدولية لمعاقبة مرتكبي جريمة الابارثيد لعام 1973 ، ثم جاءت الاتفاقية الدولية بعدم تطبيق التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لعام 1968. هذه أمثلة فقط لم نتعمد فيها التقصي لما يدخل في هذا الباب، وهي وحدها تكفي للتدليل على ما ذهبنا اليه من أن حق العودة حق ثابت ومستقر ومعترف به ولا مجال لانكاره أو التهرب منه. وسنشير في هذا البحث الى بعض ما ورد في هذه في القرارات والمواثيق والاعلانات حسب الحاجة. ويهمنا في هذه المقدمة أن نؤكد على المادة الثانية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهي تنص على حكم عام ينسحب على جميع الحقوق التي أكد عليها ذلك الاعلان، ومن بينها حق الانسان في مغادرة بلده والعودة اليه. تنص تلك المادة على ما يلي:

“لكل انسان الحق في كافة الخقوق والحريات الواردة في هذا الاعلان دون تمييز من أي نوع كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو القومية أو الاصل الاجتماعي أو الملكية أو الولادة أو أي وضع آخر.

وفضلا عن ذلك، لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو الولائي أو الدولي للبلد أو الأرض التي ينتمي اليها الانسان، سواء كانت مستقلة أو تحت الوصاية أو لا تتمتع بالحكم الذاتي أو تخضع لأي انتقاص آخر لسيادتها”.

وبموجب هذه المادة فان حق العودة حق مطلق لا يجوز أن يعيقه أو يعطله أي اعتبار يقوم على التمييز، مهما كان سببه ونوعه، كما أنه لا يتأثر بالوضع القانوني لبلد العائد أو الأرض التي ينتمي اليها. هو يعود اليه سواء كان محتلا أو مستقلا أو ناقص السيادة. حقه في العودة الى بلده، لا لغيره من البلدان، خق ثابت، ولا علاقة بينه وبين الوضع القانوني أو الدولي لبلده أو أرض انتمائه . العنصر الثابت الذي لا يتغير هو الانتماء للارض، للوطن، أما العناصر الاخرى التي قد تطرأ على هذه الارض فهي متغيرة ومتقلبة. ولأن هذه هي طبيعة حق العودة فقد اتصف بأنه من الحقوق غير القابلة للتصرف.

5 – ويترتب على هذه العلاقة بين الانسان وبلده أنه لا يجوز أن يطرد منه، لا في ظروف الحرب ولا ظروف الاحتلال، وهذا ما حظرته المادة 49(1) من اتفاقية جنيف الرابعة التي نصت على ما يلي:

” يحظر نقل الافراد أو الجماعات بالقوة وكذلك ابعاد الاشخاص المشمولين بالحماية (وفقا لهذه الاتفاقية) من الارض المحتلة الى أرض دولة الاحتلال أو الى أية أرض أخرى، محتلة أو غير محتلة، مهما كان الدافع وراء ذلك. “

ففي هذه الاحوال فان حق العودة يعتبر نصحيحا للوضع غير القانوني، الذي هو الطرد، بحيث لا تستمر المخالفة وما يرافقها من ضرر. هذا فضلا عن أن عملية النقل أو الابعاد تعتبر في خد ذاتها جريمة ضد الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي الانساني.

وقد ذهبت اتفاقيات جنيف الاربعة الى أبعد من ذلك. ففي الوقت الذي أجازت فيه للدول الاطراف الانسحاب من الاتفاقية الا انها اعتبرت أن هذا الانسحاب لا يحدث أثره الا بعد أن يبرم السلام و”الا الى أن تنتهي العمليات المتعلقة بالافراج عن الاشخاص المحميين بالاتفاقية وعودتهم (الى بلدهم)”. (المادة 63(3) من الاتفاقية الاولى، والمادة 62(3) الاتفاقية الثانية، والمادة 142(3) من الاتفاقية الثالثة والمادة 158(3) من الاتفاقية الرابعة).

6 – نخلص من هذا العرض السريع الى أن جميع المواثيق الدولية والقرارات ذات العلاقة تؤكد على حق العودة ، عودة الانسان الى بلده. وهذا البلد قد يكون بلد جنسيته أيضا، ولكن لا يشترط أن يكون كذلك. وهذا التكرار المتعمد في جميع الاعلانات والمواثيق لعبارة “بلده” الذي يكون فيه مقر اقامته العادية قبل الخروج منه يؤكد الرابطة العضوية التلقائية بين الانسان ووطنه التي سبق أن أشرنا اليها. كما يؤكد أن هذا الحق لا يتأثر بالتغيرات التي قد تكون قد طرأت في الفترة التي يكون فيها المرء خارج وطنه. فقد يقع احتلال، وقد يقع تغير في النظام، وقد ينشأ كيان قانوني جديد، ولكن الحق في العودة يبقى ثابتا لأنه عودة الى البلد، الى الوطن، وهذا كيان يظل قائما. ومن باب أولى، فان هذا الحق لا يتأثر بأي تغير قد يطرأ على بيته أو قريته. هو يعود ليسترد ما يستطيع استرداده من حياته في وطنه، أو ليبدأ فيه من جديد، مع جبر الضرر الذي يكون قد أصابه.

النظام القانوني للاجئين الفلسطينيين

7 – وفي موضوع اللاجئين الفلسطينيين، فقد نشأت القضية مباشرة بعيد صدور قرار التقسيم، وهذا ما كشفت عنه دراسات حديثة لباحثين اسرائيليين أمثال (ايلان باب) في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين”. هذه الدراسات التي جاءت مؤكدة لشهادات اللاجئين من أن الغالبية العظمى منهم لم يغادروا بيوتهم أو قراهم أو مدنهم مختارين، وانما طردوا بالقوة وفق خطط موضوعة نفذتها عصابات الارهاب الصهيونية بتوجيه مباشر من دافيد بن غوريون وزمرة من أعوانه. وكانت التعليمات صريحة في هذا الأمر: دمروا القرى وأماكن السكن، اقتلوا من هم في السن العسكرية وهي ما بين العاشرة والخمسين وفق التعليمات، واطردوا الباقين. هذه الحقائق التي كشفت عنها دراسة الوثائق الاسرائيلية تنفي عن الفلسطينيين تهمة ظالمة وجهت اليهم، وهي أنهم غادروا وطنهم مختارين في انتظار أن تعيدهم الجيوش العربية الى مدنهم وقراهم. لقد ارتكبت اسرائيل جريمة التطهير العرقي والقتل المتعمد وتدمير القرى والبيوت لهدف أساسي من أهداف الحركة الصهيونية وهو افراغ فلسطين من أبنائها ومحو كل أثر لوجودهم فيها بحيث يبدو وكأن فلسطين لم يقم فيها طوال تاريخها الطويل الا اسرائيليون.

8 – وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بقضية اللاجئين كموضوع مستقل منذ بداية بروز هذه الظاهرة. وانصب اهتمامها بادئ ذي بدء على محاولة الوساطة لمعالجة القضية الفلسطينية من أساسها بعد الاضطرابات التي تلت اقرار مشروع التقسيم، ولما يكن قد حان موعد تنفيذه بعد، وكان الانتداب البريطاني ما زال ساريا. فعقدت الجمعية العامة دورة خاصة، بناء على طلبمن مجلس الأمن، في الفترة ما بين 16 ابريل و14 مايو 1948، للنظر في الأمر، وقررت في 14 مايو انشاء منصب وسيط لها واختارت له في العشرين من مايو 1948 الكاونت برنادوت الذي كان رئيسا للصليب الأحمر السويدي. واهتم الوسيط الدولي بشكل خاص بموضوع اللاجئين فأنشأ مشروع الامم المتحدة للاغاثة من الكارثة UN Disaster Relief Project في يوليو 1948 للتنسيق بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية التي كانت تقدم المساعدات الانسانية للاجئين. وهو المشروع الذي تولته فيما بعد لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، ثم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وانه لمن المهم أن نتذكر هذه التواريخ التي يتضح منها أن مشكلة اللاجئين قد نشأت قبل قيام اسرائيل، وقبل دخول الجيوش العربية لفلسطين، وأن الامم المتحدة اهتمت بالموضوع وسعت لمعالجته منذ البداية. وأهمية هذه التواريخ تظهر عند معالجة تعريف من هو اللاجئ.

9 – ولحل مشكلة اللاجئين حلا جذريا يتفق مع مبادئ القانون، فقد سعى الوسيط الدولي لدى النظام الاسرائيلي لاعادتهم الى بيوتهم التي أخرجوا منها. ورفضت السلطات الاسرائيلية طلبه. فقدم في أغسطس 1948 تقريره الاول عن مساعيه، ثم قدم تقريره الثاني في 16 سبتمبر 1948 . وفي هذا التقرير الثاني تعرض لمحاولاته الفاشلة لاقناع السلطات الاسرائيلية بالسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم، وازاء هذا الفشل، حدد الوسيط ما يتوجب على الامم المتحدة من التأكيد عليه. فكانت التوصية التالية:

” إن حق اللاجئين العرب في العودة الى بيوتهم في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية في أقرب وقت ممكن، يجب التأكيد عليه من قبل الامم المتحدة، كما أن عودتهم واعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا، ودفع التعويض الملائم عن أموال أولئك الذين لا يرغبون في العودة، يجب أن الاشراف عليه والمساعدة فيه من قبل لجنة التوفيق التابعة للامم المتحدة ” .

في اليوم التالي لتقديم هذا التقرير وفيه هذه التوصية، أي في 17 سبتمبر 1948، قامت عصابة شتيرن الصهيونية باغتيال الوسيط الدولي ، الكاونت برنادوت، هذا الرجل ألذي انقذ حياة عشرات الالوف من اليهود من المحرقة النازية اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان رئيسا للصليب الاحمر الدولي.

10 – من المهم أن نلاحظ في هذه التوصية أن الوسيط الدولي قد طلب من الامم المتحدة أن تؤكد حق العودة، باعتبار أن هذا الحق حق ثابت ومستقر، لا يحتاج الى انشاء. ونلاحظ أن هذه التوصية جاءت سابقة للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في 10 ديسمبر 1948 والذي أكد على حق الانسان قي العودة الى بلده. ونلاحظ ثانية أن الوسيط الدولي يرى أن عودة اللاجئ هذه تكون الى بيته في الاراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية، وليس الى غيرها. وهذا تأكيد منه بأن اللاجئين ينتمون الى هذه المناطق التي أصبحت تحت السيطرة اليهودية، وأن هذه السيطرة لا تمس بهذا الحق وهذا ينسجم تماما مع ما سبق أن اشرنا اليه من أن حق العودة لا يتأثر بالوضع السياسي أو القانوني الذي يطرأ على البلد الذي يتعلق به هذا الحق.

القرار رقم 194 (3)

11 – وانسجاما مع هذه التوصية واستجابة لها اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها رقم 194 (3) بتاريخ 11 ديسمبر 1948. وجاء فيه فيما يتعلق باللاجئين :

“اللاجئون الذين يرغبون في العودة الى بيوتهم والعيش قي سلام مع جيرانهم يجب أن يسمح لهم بذلك في أقرب وقت عملي ، كما يجب أن يدفع تعويض عن أموال أولئك الذين لا يرغبون في العودة وعن الخسارة أو الضرر للاموال التي يجب اجراؤها وفقا للقانون الدولي والعدالة من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة. ”

12 – ويلاحظ بالنسبة لهذا القرار:

(أولا) أنه لم ينشئ حق العودة، وانما اعتبره حقا قائما وثابتا ولا يحتاج الا الى التنفيذ. ولذا قال “يجب أن يسمح لهم بالعودة في أقرب وقت عملي”. فالمسألة مسألة توقيت التنفيذ فقط، بدون أية مفاوضات بشأن أصل الحق.

(ثانيا) لم يُعَرِّفْ القرار من هو اللاجئ بشكل مباشر، ولكن النص على أن عودة اللاجئ تكون الى بيته، فان اللاجئ يكون من هو خارج بيته، قيكون له الحق في العودة اليه. وعلى هذا فقد يكون الفلسطيني خارج فلسطين أو داخلها، ويعتبر لاجئا، ما دام ليس في بيته.

(ثالثا) ميز القرار بين فئتين من اللاجئين : فئة “نرغب في العودة” وفئة “تختار الا تعود”. وممارسة حق العودة من عدمها خيار فردي.

(رابعا) تكون عودة اللاجئين الذين يرغبون في العودة “الى بيوتهم”، وهذه البيوت لها مواقعها الجغرافية المحددة في مدن أو قرى أو بوادٍ. وهذه المواقع قد تكون خاضعة للاحتلال أو لا تكون، في المناطق التي تخضع للسيطرة اليهودية، كما قال برنادوت في توصيته، وقد لا تكون، من الناحية النظرية. المهم هو العودة الى المكان نفسه.

(خامسا) اللاجئ العائد يجب أن يكون على استعداد لأن “يعيش في سلام مع جيرانه”. ويستشم من هذا النص أن العودة المقصودة بالقرار هي عودة الى الاراضي التي تخضع للسيطرة اليهودية، حسب توصية بيرنادوت. اذ لا معنى لهذا الشرط لوكانت العودة من لاجئ فلسطيني الى محيطه الفلسطيني. ولم يتعرض القرار بطبيعة الحال الى كيفية التأكد من تحقق هذا الشرط، اذ أن حقيقته لا تتضح الا بعد التنفيذ. ولهذا يكفي في بداية الأمر تعهد بذلك من فبل العائد. واذا أخل بذلك التعهد فيما بعد بأن أخل بالنظام العام فانه يكون من حق السلطات ذات العلاقة التعامل معه على هذا الاساس، فتحاسبه على اخلاله. انما لا يجوز طرده، لأن هذا الشرط ليس من شروط اقامة أي انسان في وطنه. هو يعاقب اذا أخل بالنظام العام، ولكنه لا يطرد ليصبح لاجئا من جديد.

(سادسا) إن القرار لم يحدد مدة زمنية لممارسة هذا الحق، واكتفى بالقول بأن يكون ذلك في أقرب وقت من الناحية العملية. وهذا ينسجم مع طبيعة هذا الحق، اذ لا يجوز تحديد مدة يجبر المرء على الالتزام بها والا فقد حقه الطبيعي والتلقائي في العودة الى دياره. ولهذا فانه لا يسقط بمضي المدة، وللاجئ ممارسته في أي وقت تسنح فيه فرصة العودة .

الحق في التعويض

13 – نص القرار على التعويض، وقامت لجنة التوفيق التي شكلتها الجمعية العمومية للامم المتحدة من كل من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، باعطاء التفسير التالي للحق في التعويض. قالت اللجنة:

” وضعت الجمعية العامة مبدا حق اللاجئين في ممارسة خيارهم بجرية بين العودة الى بيوتهم والتعويض عن الخسارة أو الضرر الذي لحق بممتلكاتهم من جهة وبين عدم العودة الى بيوتهم مع تعيضهم تعويضا ملائما عن قيمة الممتلكات التي تركوها”.

هذا هو تفسير اللجنة، وهو تفسير سليم من ناحية استحقاق اللاجئين للتعويض، سواء منهم من اختار العودة أو لم يخترها. كل منهم له الحق في التعويض. أما عناصر هذا التعويض فيقررها القانون، لا لجنة التوفيق هذه. والتعويض في القانون لا يقتصر على خسارة أو ضرر مادي فقط، وانما هناك اضرر الذي ترتب على حالة اللجوء في حد ذاتها والحرمان الطويل من ممارسة حق العودة والمعاناة التي ترتبت على ذلك. وهذه مسألة لم يحن الوقت بعد لعرضها بالتفصيل، ونكتفي بالاشارة اليها فقط هذه الاشارة المقتضبة.

خصائص حق العودة

14 – سبق أن ذكرنا أن حق العودة حق طبيعي تلقائي يتمتع به الانسان بحكم انتمائه لوطن معين. والحقوق الطبيعية التلقائية من هذا النوع هي ما أصبخ يعرف بالحقوق غير القابلة للتصرف. وقد اهتمت الجمعية العامة للامم المتحدة بتحديد هذه الحقوق بالنسبة للشعب الفلسطيني وذلك في القرار الصادر منها في 22 نوفمبر 1974 برقم 3236. والحقوق التي أشار اليها ذلك القرار هي “حق تقرير المصير وحق الاستقلال والسيادة وحق الفلسطينيين في العودة الى بيوتهم التي أخرجوا واقتلعوا منها” . فحق العودة اذن من بين الحقوق غير القابلة للتصرف ويقف على نفس مستوى حق تقرير المصير. ويحاول البعض دمج حق العودة في حق تقرير المصير، غير أن الجمعية العامة تعاملت معهما كحقين، الواحد منهما مستقل عن الآخر. وهذا موقف سليم حيث أن حق العودة يدخل فيه عنصر شخصي مباشر يقرره الفرد، ولكنه في تصرفه هذا لا يمس الارض والوطن، ولذا جاء حقه في التعويض عن الضرر الشخصي الذي لحق به. غير أنه بقراره في العودة من عدمها لا يقرر التخلي عن سيادة الشعب على الجزء من الوطن الذي هو محل اقامته المعتادة، اذ لا يملك أي فرد حق التخلي عن أي جزء من أرض الوطن. ولهذا فان حق العودة هو من بين الحقوق التي يتلازم فيها الحق الشخصي مع الحق العام دون أن يلغي أحدهما الآخر أو يندمج فيه بالضرورة. ثم إن الرابطة القائمة بين الانسان ووطنه هي علاقة متوارثة بين الاجيال ولا يملك جيل أن يفصم هذه العلاقة ويحرم الاجيال القادمة منها بتصرفه الشخصي. ولهذا فان التصرف الشخصي ينصرف الى شخصه فقط، فيعود أو لا يعود، ويتقاضى التعويض في الحالتين. واذا انقضى جيل دون ممارسة هذا الحق فان الحق يبقى قائما للاجيال التالية، حتى ولو مارس جيل حقه في تقرير المصير إن حق العودة يبقى قائما الى أن يتحقق بشقيه الشخصي والعام.

15 – والحقوق غير القابلة للتصرف لا تخضع بطبيعتها للاستفتاء. فهذه الحقوق لا يفصل فيها جيل بالاضرار بحق الاجيال القادمة. وقد عالجنا موضوع الاستفتاء، خاصة ما يستفتى عليه، في مقالين نشرناهما في القدس العربي .

من هو اللاجئ

16 – لممارسة حق العودة لا بد من تعريف من هو صاحب هذا الحق. وقد أصبح هذا التعريف مهما بشكل خاص نظرا لتطوره على مدى السنوات الماضية من وجود وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم، ونظرا كذلك لأن حالات اللجوء لم تتوقف. فهناك أولا حالتان من اللجوء الجماعي ، الاولى عاما 1947-1948، والثانية عام 1967. ثم هناك ظاهرة ابعاد الفلسطينيين من القدس بهدم بيوتهم أو بطردهم لسبب أو لآخر. ثم هنالك من يتلقى العون من وكالة الغوث ومن لا يتلقاها، وهناك من هم في سجلاتها ومن هم غير ذلك أصلا أو شطبوا من السجلات. وهناك من كانوا خارج فلسطين في الاعوام المذكورة وبالتالي فانهم لم يطردوا ولكنهم لا يستطيعون العودة. ثم لقد ظهرت أجيال خارج فلسطين في أماكن اللجوء ولم تطأ أقدامهم أرض فلسطين، ناهيك أن تكون لهم بيوت فيها باسمائهم يعودون اليها. وفضلا عن هذا فقد حرصت اسرائيل منذ البداية على تدمير القرى والبيوت الفلسطينية، وغيرت الاسماء، وأقامت المستوطنات والمنتزهات والحدائق العامة فيها، أي أن اسرائيل تعمدت محو التاريخ الفلسطيني كله والوجود الفلسطيني كله في المواقع التي استولت عليها.

17 – يضاف الى هذا كله أن القرار رقم 242 الصادر من مجلس الأمن لم يتبن الصيغة التي اعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة عندما أشار الى موضوع اللاجئين، حيث تحدث القرار المذكور عن “ضرورة ايجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين”. وجاء اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير واسرائيل ليشير فقط الى القرارين رقم 242 و 338 كأساس للحل، ولم يشر الى قرار الجمعية العامة رقم 194 ، يضاف الى ذلك الشعار الذي تبنته الدول العربية للحل العادل والدائم وهو “الأرض مقابل السلام”. والارض تتمثل في العودة الى حدود عام 1967. وبان التآكل الذي بدأ يشق طريقه في تفسيرات لحق العودة ومن يملكونه تتعارض تماما مع هذا الحق. فهناك اتفاقيات أبرمها مسئولون فلسطينيون مع غير مسئولين اسرائيليين جرى فيها التنازل الكامل عن هذا الحق، وهناك اتفاقيات أخرى حصرت هذا الحق في العودة الى الضفة والقطاع، واستبعدت بالتالي حق العودة الى الى ما وراء الخط الأخضر. ثم جاءت تصريحات بأن تنفيذ هذا الحق يتم بالاتفاق ، بمعنى أن يكون لاشرائيل حق الفيتو على من يعود ومن لا يعود. وجاءت مبادرة الدول العربية فكانت في صيغتها الاولى خالية من الاشارة الى حق العودة، ثم عدلت في قمة بيروت باضافة هذا الحق. ومؤدى هذا كله أن المحاولات لم تتوقف للانتقاص من هذا الحق أو للتخلي عنه كلية. وهذا كله تستنتج منه اسرائيل ما تستنتجه.

18 – لم يعرف القرار رقم 194 من هو اللاجئ، ولكن نص القرار ينبئ عن هذا التعريف ومن هم المقصودون بالقرار حينما طالب بالسماح لهم بالعودة الى بيوتهم وأشار الى أن يكون العائدون على استعداد للعيش بسلام مع جيرانهم. وبالتالي فان هذا الحق يشمل كل من ليس في بيته ويرغب في العودة اليه، أينما كان. وعندما قررت الجمعية العامة للامم المتحدة انشاء وكالة الغوث في 8 ديسمبر 1949 بالقرار رقم 302 (4)، حصرت اختصاص هذه الوكالة اقليميا في منطقة “الشرق الادنى”. أما الاختصاص الميداني للوكالة فقد تحدد في أمرين اثنين: (الاول) القيام ببرامج اغاثة وتشغيل بشكل مباشر وفقا لما توصي به بعثة المسح الاقتصادي، وذلك بالتعاون مع الحكومات المحلية. و (الثاني) التشاور مع حكومات الشرق الادنى المعنية حول الاجراءات التي يجري اتخاذها من جانب هذه الحكومات استعادا للوقت الذي تصبح فيه المساعدة الدولية لمشروعات الاغاثة والتشغيل غير متوفرة. وبناء على هذا القرار فإنه يخرج عن اختصاص الوكالة اللاجئون الفلسطينيون الذين لجأوا الى اقطار خارج الشرق الادنى. وكذلك فان دور الوكالة انحصر في الاغاثة والتشغيل، وبالتالي فان أولئك الذين كانوا أو أصبحوا فيما بعد في غنى عن الاغاثة أو التشغيل لا يدرجون في سجلات الوكالة. واذن فانه لا يصح الاعتماد على سجلات الوكالة لتحديد من هم اللاجئون الذين يحق لهم ممارسة حق العودة، خاصة وأن الوكالة تراجع سجلاتها بشكل متواصل تحت ضغط الول المانحة لانقاص عدد المستحقين للاغاثة أو التشغيل. ولكن المدرجين في سجلاتها يعتبرون من أصحاب هذا الحق.

19 – في ضوء ما تقدم فان تعريف اللاجئ الفلسطيني الذي له حق العودة هو الذي تنطبق عليه المواصفات الواردة في القرار رقم 194 حيث أنه لا يقيد المكان الموجود فيه بعد خروجه من بيته، ولكنه يحدد المكان الذي له خق العودة اليه. الشرط الوحيد هو أن يكون خارج محل اقامته المعتاد وأن البلد الذي يرغب أو لا يرغب في العودة اليه هو البلد الذي كان فيه محل اقامته المعتاد.

20 – ومما يجب التذكير به خوفا من احتمال الخطأ في المرجعية القانونية لتعريف اللاجئ الفلسطيني أو لمن له حق العودة، أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951، كما عدلت ببروتوكول 1967 الخاص بوضع اللاجئين، وهي اتفاقية عامة، وكذلك قرار الجمعية العامة الخاص بالمفوض العام للاجئين التابع للامم المتحدة لعام 1951.، وكذلك الاتفاقية الدولية الخاصة بالاشخاص عديمي الجنسية لعام 1954 – جميع هذه الاتفاقيات والقرارات لا تطبق بالنسبة لفئات معينة من اللاجئين الفلسطينيين، وهذه هي الفئات هي تلك الداخلة في النطاق الاقليمي لوكالة الغوث. فمثلا تنص المادة 7 من نظام مفوض الامم المتحدة العام للاجئين على ما يلي :

“لا يشمل اختصاص المفوض العام أي شخص …..(ج) يستمر في تلقي الحماية أو المساعدة من أجهزة أو وكالات أخرى تابعة للامم التحدة”

وتنص المادة 1 (د) من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 على ما يلي:


” لا تطبق هذه الاتفاقية على من يتلقى في الوقت الحاضر حماية أو مساعدة من أجهزة أو وكالات الامم التمحدة، باستثناء المفوض العام للاجئين التابع للامم التحدة. واذا توقفت تلك الحماية أو المساعدة لأي سبب كان دون أن يكون وضع هؤلاء الاشخاص قد سوي تسوية نهائية وفقا لقرارات الجمعية العامة للامم المتحدة فان هؤلاء الاشخاص يستحقون حكما ما في هذه الاتفاقية من منافع”

لقد ورد الاستثناء في هذه الاتفاقيات والقرارات بشكل عام دون الاشارة للاجئين الفلسطينيين. غير أنهم هم المقصودون به، حيث أن الدول العربية هي التي طالبت به وتمسكت بالنص عليه. ولكن يجب أن نلاحظ أنه استثناء قاصر فقط على من يتلقون اغاثة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين. أما الذين لم يتلقوا أصلا اغاثة أو تشغيلا أو توفقوا عن تلقيهما فان الاستثناء قد لا يطبق عليهم.

حماية حق العودة

21 – سبق أن أشرنا الى مناورات أو محاولات للمساس بهذا الحق. وكذلك فان اسرائيل ترفض الاعتراف به، وفي أحسن مواقفها فانها ابدت استعدادا لقبول عدد بسيط بناء على الرغبة في لَمِّ الشمل، وليس تطبيقا لخق العودة. وتأكيدا لهذا الموقف الرافض فان اسرائيل لا تسمح حتى للاجئين داخل الخط الأخضر بالعودة الى بيوتهم وقراهم ، مع أن بعض هذه القرى والبيوت ما زالت قائمة. وسبب الرفض هو الخوف من أن يكون ذلك سابقة يحتج بها عليها.

22- وكذلك لا يمكن الاعتماد على وكالة الغوث لحماية هذا الحق أو لتنفيذه. فالوكالة هي وكالة غوث وتشغيل، أي المساعدة في تسيير أمور الحياة اليومية، ولا يدخل في اختصاصها حماية حقوق اللاجئين. هي وكالة مساعدة لا وكالة حماية. الحماية، ويدخل فيها حماية حق العودة وتنفيذه، يختص بها المفوض العام للاجئين التابع للامم المتحدة، والاتفاقية الخاصة باللاجئين. وقد سبق أن ذكرنا أن اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون الاغاثة أو المساعدة من وكالة الغوث، وهم معظم اللاجئين الفلسطينيين، قد جرى اساثناؤهم من اختصاص هاتين الجهتين. أي أنه لا توجد جهة دولية مختصة أو اتفاقية دولية خاصة باللاجئين يدخل في ضمن اختصاصها حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي حماية حق العودة.