لا لتزوير التاريخ إرضاءاً لاسرائيل وأمريكا

أولا: القضية

أَكَّدَ مقالٌ علمي موضوعي نُشِرَ على موقع وزارة الاعلام في السلطة الفلسطينية عُمْقَ الحساسية الامريكية والاسرائيلية لكل ما يطعن أو يشكك في صحة رواية تاريخ فلسطين وتراثها ومقدساتها كما وردت في الاساطير الاسرائيلية المتوارثةِ المسيطرةِ على عقولِ الاسرائيليين وعقول الكثيرِ ممن يسمون بالمسيحيين الجدد، خاصة في أمريكا. كاتب المقال هو الدكتور المتوكل طه، وكيلُ وزارة الاعلام في السلطة الفلسطينية، وعنوانه “حائط البراق”، ونشر في موقع الوزارة بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2010. وكان موضوعُ البحث ملكيةَ هذا الحائط. وبهذا التحديد لطبيعة السؤال يكون البحث قانونيا تاريخيا بامتياز وابعد ما يكون عن السياسة. ومع أنه يبدو أن الدكتور المتوكل ليس من رجال القانون ، الا انه في بحثه استند على مرجع لا يرقى أدنى شك الى سلامته القانونية.

يقول المؤلف، “يدعي الاحتلال الاسرائيلي، زورا وبهتانا، ملكيته لهذا الحائط الذي يسميه بِ ‘حائط المبكى‘أو ‘الكوتيل‘”. ويصف الكاتب مقاله بحق بأنه “يوضح بشكل علمي وموضوعي ونزيه أحقية المسلمين بهذا الحائط، الذي سيبقى حائط البراق، والذي لا يحق لأحد أن يتماهى مع الصهيونية في ادعائها بملكيته، أو أن يتنازل عنه تحت أي ذريعة أو دعوى”.

وكان المؤلف منصفا لنفسه وللتاريخ في هذا التقييم لمقاله، حيث أنه لم يأت بجديد من عنده، يمكن الاعتراض عليه، وانما اعتمد اعتمادا كليا على تقريرٍ للجنةٍ دوليةٍ شكلتها عصبة الامم عام 1930 للتحقيق حصراً في حقوق المسلمين واليهود في الجدار، وذلك بعد اشتباكات دامية وقعت بين الطرفين وكانت محل تحقيق مستقل من جانب لجنة شكلتها حكومة الانتداب على فلسطين، بريطانيا، في ذلك الوقت وعرفت باسم “لجنة شو”. وهذه اللجنة المستقلة التي حققت في الاشتباكات اوصت بتشكيل لجنةٍ دوليةٍ تعتمدها عصبةُ الامم، لتقرير حقوق الطرفين، المسلمين واليهود، في الجدار حسماً للخلاف بصورة نهائية بحيث يعرف كل طرف حقوقه بناء على تحقيق دولي مستقل لا مجال للطعن فيه. وهكذا كان. درست اللجنة موضوع ملكية الحائط، وحققت فيه تحقيقا قانونيا سليما استمعت فيه لممثلي الطرفين ولممثلٍ لحكومةِ الانتداب، وتوصلت الى نتائج أورد المؤلف في مقاله جانبا منها، وكان من بينها أن ملكية الحائط والرصيف الذي أمامه تعود للمسلمين فقط وليس هناك أي حق عيني، مهما كان، لليهود في الجدار. فالدكتور المتوكل لم يبتدع موقفا جديدا وانما أكد وضعا قانونيا اعتُمِدَ دوليا ولم يعد محل جدل أونقاش أو طعن.
ومما يؤيد سلامة موقف المؤلف، وسلامة ما خلصت اليه اللجنة في تقريرها ، أن اللجنة صرحت في عرضها لمواقف الطرفين أن ممثلي الجانب اليهودي لم يدعوا ملكية الحائط ولم يطالبوا بها، على أساس أن ملكية المقدسات هي لله وليس للبشر، وطبيعي، والحالة كذلك، أنهم لم يطلبوا من اللجنة أن تفصل في ادعاء كهذا، ولم يقدموا دليلا عليه. كما أنه تعالى لم يكن طرفا في الدعوى لتسمع أقواله. ولو كان لدى الجانب اليهودي ادنى دليل على ملكيتهم للحائط لما ترددوا في تقديمه ولما أدعوا بأن الملكية هي لله. وبالرغم من هذا الموقف للجانب اليهودي فقد قررت اللجنة أن تحسم الموضوع وتحقق في ملكية الحائط وتقررها.

ثانيا: خصائص اللجنة

من المهم أن نلاحظ أنه لم يكن هناك مؤشر على أي احتمال لمحاباة اللجنة للجانب الاسلامي، بل العكس هو الاقرب للاحتمال، ومع ذلك كانت اللجنة نزيهة في موقفها وقرارها والتحريات التي أجرتها. ويحسن بنا أن نتذكر الآتي:

1- الجهة التي اقترحت تشكيل لجنة التحقيق هذه كانت ‘لجنة شو‘، وهي لجنة بريطانية حققت في الاحداث الدامية وأوصت بتشكيل لجنة دولية لبحث الجانب القانوني للجدار.
2- عندما طرح الموضوع على عصبة الامم بصفتها هي التي وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني والمسئولة دوليا عن مراقبة تنفيذ بريطانيا لانتدابها هذا، هي التي طلبت من بريطانيا، بناء على تقرير لجنة شو، تسمية اعضاء اللجنة وتقديم هذه الاسماء للنظر فيها من قبل عصبة الامم، واشترطت ألا يكون بين هؤلاء اي بريطاني.
3- تقدمت الحكومة البريطانية باسماء ثلاثة: سويدي وسويسري وهولندي . فوافقت عليهم عصبة الامم، وكلفتهم بالمهمة.
4- بريطانيا التي اقترحت الأسماء هي بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور المشؤوم الذي وعدت بموجبه العمل على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وعصبة الامم التي اعتمدت اللجنة هي التي أدرجت وعد بلفور في صك الانتداب وعينت بريطانيا دولة منتدبة على فلسطين لتنفيذ ذلك الوعد المشؤوم. ومؤدى هذا أنه لو كان هناك أي شك في أن اللجنة أو أي عضو من أعضائها سيكون محابيا للمسلمين في فلسطين فإنه سيستبعد من اللجنة.
5- كانت الحركة الصهيونية مسيطرة على الحكومة البريطانية وكانت الوكالة اليهودية التي تمثلها جزءا من ادارة فلسطين بموجب صك الانتداب، وبالتالي ما كان ممكنا أن تضم اللجنة محابيا لمسلمين في فلسطين، بل العكس هو الصحيح، أما الجانب الفلسطيني فقد كان مغيبا تماما عن ادارة الانتداب ولم يكن لديه جهة تعترف عصبة الامم أو بريطانيا بواجب التفاهم معها أو استشارتها.
6- حشدت الحركة الصهيونية كل ما لديها من كفاءات دينية ودنيوية لتمثيلها امام اللجنة، ومع ذلك لم تجد ما يمكن أن يدعم ادعاءاً بملكية الحائط، وكل ما وجدته الحركة الصهيونية واعتمدته اللجنة هو التسامح الاسلامي في اقامة الصلوات عند الحائط، وهذا ما استندت عليه في قرارها . وما أكثر ما دفعه المسلمون ثمنا لتسامحهم الذي ينكرونه عليهم اليوم.
7- اعتمدت عصبةُ الامم ودولةُ الانتداب، بريطانيا، التقريرَ وقامت بريطانيا بتنفيذ ما جاء فيه والتزمت به الوكالة اليهودية بصفتها ممثل الحركة الصهيونية في فلسطين طوال مدة الانتداب، ولم يطرح موضوع الحائط للجدل مرة اخرى.

يستنتج مما تقدم أن ما توصلت اليه اللجنة، والذي سننقله نصا فيما بعد، هو اقصى ما يمكن أن يكون لليهود من علاقة بالجدار، وهي علاقة قائمة على تسامح اسلامي وليس على ملكية لليهود في الجدار.
.

ثالثا: موقف المؤرخين الاسرائيليين الجدد من “التاريخ” اليهودي المزعوم

لم يتقدم ممثلو الجانب اليهودي أمام اللجنة الدولية بأي سند تاريخي تدعمه الحفريات التي كانت جارية في فلسطين حتى ذلك التاريخ، ومؤدى هذا أن تلك الحفريات لم تكشف عما يمكن أن يدعم الاساطير التاريخية العبرية. هذا الوضع لم يتغير، بل ازداد تأكيدا. فاسرائيل لم تتوقف لحظة منذ قيامها من جهة واحتلالها لبقية فلسطين من جهة اخرى عن محاولاتها في الكشف عن آثار تؤيد تلك الاساطير، خاصة في القدس ومحيطها، وبوجه أخص في منطقة المسجد الاقصى. ولم تؤد هذه الحفريات التي تواصلت منذ القرت التاسع عشر حتى اليوم الى الكشف عن أي اثر ذي قيمة، وهذا ما قرره علماء الحفريات الاسرائيليون أنفسهم.

ويكفي في هذا الشان أن نترجم جانبا مما قاله البروفيسور زءيزف هيرتسوج C. Z’e’ev Herzog من جامعة تل ابيب في مقال نشرته مجلة جريدة هاآرتس الاسبوعية بتاريخ 29 أكتوبر/تشرين الاول 1999 وهو يستعرض للقارئ العادي نتيجة الحفريات التي تمت على مدى قرن ونصف. لقد لخص تلك النتائج في الفقرة الاولى من بحثه على الوجه التالي. قال: ” هذا ما تعلمه علماء الآثار من حفرياتهم في أرض اسرائيل: لم يكن الاسرائيليون في مصر في يوم من الايام، ولم يتيهوا في الصحراء، ولم يستولوا على البلاد (أي فلسطين) بحملة عسكرية، ولم يورثوها لقبائل اسرائيل الاثنتي عشرة. وحتى ما يصعب هضمه هو أن مملكة داوود وسليمان المتحدة التي توصف في التوراة على أنها قوة اقليمية لم تكن في الحقيقية اكثر من مملكة قبلية صغيرة في أحسن الاحوال.” وقال إن هذه المعلومات منشورة على نطاق واسع ولكن عموم الاسرائيليين لا يريدون أن يعرفوا ذلك لأن هذا يحطم الاسطورة التي عاشوها وهي اسطورة الأمة التي تعيد بناء مملكة اسرائيل.

ويقول الاستاذ شلومو ساند، الاستاذ في جامعة تل ابيب في كتابه “متى وكيف تم اختراع الشعب اليهودي؟” ” لم تكن تربيتي تربية صهيونية. ولكنني، كغيري من الاسرائيليين كانت لديَّ قضيةٌ مُسَلَّمٌ بها وهي أن اليهود كانوا شعبا يعيش في يهودا الى أن نفاهم الرومان عام 70 بعد الميلاد. غير أنني عندما بدأت أدرس الادلة اكتشفت أن مملكتي داوود وسليمان كانتا اساطير”. لا يوجد دليل على النفي أو الطرد من فلسطين. بل يذهب شلومو ساند الى أبعد من ذلك حيث يقرر أن الزعماء الصهيونيين، ومن بينهم بن غوريون، مؤسس اسرائيل، كانوا يعرفون هذه الحقائق وكانوا يرون أن اليهود لم يغادروا فلسطين وانما اعتنق معظمهم الاسلام تدريجيا واندمجوا في الشعب الفلسطيني وأصبحوا جزءاً منه. أما يهود اليوم فليسوا من نسل أولئك وأن غالبيتهم هم ممن تحول الى اليهودية من شعوب أخرى كيهود أوروبا الشرقية ويهود اليمن حين كانت الديانة اليهودية مفتوحة لا مغلقة كما هو حالها منذ قرون.

لقد حفروا في كل اتجاه ونقبوا ولم يعثروا، حتى الآن على الأقل، على أي دليل على وجود الهيكل الذي يزعمونه وبالتالي على أن الجدار الغربي، حائط البراق، أو ما يسمونه حائط المبكى، كان موجودا في ايامهم وانه كان جزءا من هيكلهم المزعوم. وهاهم اليوم يحاولون اعادة صنع التاريخ بتزويره ومحو كل ما يشير لحضارات أو وجود بشري لغيرهم في فلسطين للادعاء بأنها لم تعرف غيرهم شعبا لها. بل إنهم بدأوا عملية اصطناع التاريخ. ففي النفق الذي حفروه تحت الاقصى بنوا كنيسا صغيرا، ولا استبعد أن يدعوا للسياح بأنه كنيس قديم يعود لأيام “الهيكل” المزعوم. إنهم يرفضون الاعتراف بأن القبائل العبرية التي دخلت فلسطين، هذا اذا كان قد دخلتها اصلا، كانت قبائل بدوية رُحَّلاً لا حضارة لديها ولا امكانيات مادية لبناء هيكل كالهيكل الذي يزعمون. وهاهم يسعون لنثر قطع تبدو أثرية في الاردن مثلا لِ “اكتشافها” في حفريات في المستقبل او عََرَضاً ثم الادعاء بأنها آثار قديمة كانت لهم في الاردن. واستقالت وزيرة آثار اردنية لأنها كشفت عن هذه المحاولات، وهي محاولات يؤكدها أردنيون عاديون كشفوها وقرروا بأنها تجري بشكل دائم.

رابعا: رد الفعل الاسرائيلي والامريكي : الشتائم من جهة والتركيز على ضرورة تزوير التاريخ من جهة اخرى

الذين اعترضوا على المقال من الإسرائيليين والأمريكيين تجاهلوا تماما تقريرَ اللجنة الدولية وموقفَ عصبة الامم وموقفَ حكومة الانتداب البريطانية وموقفَ الحركة الصهيونية ذاتها أمام اللجنة أولا وبعد صدور التقرير لاحقا. كما أنهم تجاهلوا تماما ما توصلت اليه الحفريات في فلسطين على مدى قرنين من الزمان، وما استنتجه علماؤهم من تلك الحفريات.

وبحسب جريدة القدس العربي الصادرة بتاريخ 2 ديسمبر/كانون الاول 2010، فإن دراسة الدكتور طه “أثارت سخط اسرائيل وانتقادها حيث اعتبرها ديوان رئاسة الوزراء الاسرائيلية دليلا على عدم جدية الفلسطينيين في أقوالهم بأنهم يرغبون حقا في تحقيق المصالحة التاريخية مع اسرائيل”. ولذا فمفهوم “المصالحة التاريخية” لدى ديوان رئاسة الوزراء هو التنكر للتاريخ والمنطق والقانون، واقامة مصالحة تاريخية مبنية على الباطل والاساطير والادعاءات الصهيونية. كما أن الصحيفة نقلت عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية للصحافيين بي.جي. كراولي قوله: “نحن ندين بشدة هذه التصريحات، ونرفضها رفضا تاما بوصفها خاطئة من منظور الواقع ولا تراعي أحاسيس الآخرين وتنطوي على استفزاز شديد”. ولماذا يدينها ويرفضها السيد كراولي، وكأنه هو الطرف صاحب الحق في الرفض أو الادانة، لأنها “خاطئة من منظور الواقع”. أي واقع يتحدث عنه السيد كراولي؟ اذا كان يعني بذلك واقع الاحتلال، فإنه موقف مرفوض من حيث المبدأ حيث أنه لا يجوز للاحتلال تغيير الوضع القانوني القائم في الاراضي المحتلة لا لمصلحته ولا لمصلحة أية دولة أخرى، هو مرفوض بالنسبة لحائط البراق كما هو مرفوض بالنسبة للمستوطنات. ولكن أمريكا تريد من الفلسطينيين والعرب الاعتراف به وبأي واقع يخلقه المحتل على الارض كما سبق لهم الاعتراف بواقع المستوطنات. إنها سياسة الخطوة خطوة التي تنبه لها الاجداد واحتاطوا لها امام اللجنة الدولية. هذا موقف مرفوض وفي غاية الخطورة من حيث دلالته.

ثم يدعي كراولي هذا أن قول الحقيقة القانونية يكون مرفوضا ومدانا اذا لم يراع أحاسيس الغاصب المحتل ويكون استفزازا له، وكأنما على الذي يرى المحتل ينتهك حقوقه ويصادرها أن يسكت حتى عن ذكر هذه الحقوق حرصا على أحاسيس المحتل وعدم استفزازه. منطق في غاية الغرابة، ولكنه ينسجم مع تصرفات السلطة واللجنة التنفيذية وقادتهما ومفاوضيهما، ويتجاهل أن الواجب الاول والحق القانوني والانساني والتاريخي لكل من يُعتدَى عليه هو التمسك بحقوقه ومقاومة الاعتداء، لا مجاملة الغاصب المحتل والتغاضي عن جرائمه. ويبدو أن هذا الانسان الشديد الحساسية نحو مشاعر الغاصب المحتل لا تهمه مشاعر الضحية الذي تغتصب حقوقه في كل لحظة من نهار أو ليل.

خامسا: الخوف من نزع الشرعية

أضاف كراولي، وهو الناطق الرسمي باسم الخارجية الامريكية وليس الاسرائيلية، في تصريحاته للصحفيين دون خجل قوله: “لقد أثرنا مرارا مع قادة السلطة الفلسطينية ضرورة الاستمرار في مكافحة كل اشكال السعي لنزع الشرعية عن اسرائيل، بما في ذلك نفي الارتباط التاريخي لليهود بالارض”. وهذا هو بيت القصيد. “شرعية اسرائيل”. ومما يلفت النظر أن ما أثارته امريكا مرارا مع “قادة السلطة الفلسطينية” هو ضرورة “الاستمرار” في مكافحة كل محاولات نزع الشرعية هذه. هل من مسئوليات قادة السلطة حماية شرعية اسرائيل فضلا عن حماية أمنها؟ يبدو أن الأمر كذلك. وكلمة “الاستمرار” في تحمل هذه المسئولية لافتة للنظر. فمتى كان من مسئوليات من تكون بلده محتلة ان يكافح “كل أشكال السعي لنزع الشرعية” عن دولة الاحتلال؟ إن واجبه الاول هو تجنيد المعادين لها، لا دفع الاذى عنها. وعلى أي حال حتى في الظروف العادية لا يوجد اي التزام على أية دولة أن تكافح محاولات نزع االشرعية عن أية دولة أخرى ما لم تكن متحالفة معها، ناهيك عن كونها دولة غاصبة محتلة استباحت كل حقوق من خضع للاحتلال. الشعب الفلسطيني يريد أن يعرف من “قادة السلطة” جميع الالتزامات التي التزموا بها، والتي تطل براسها بصورة متتابعة، وحيث أنه هو على الأقل من بين المقصودين بهذا الالتزام، فإنه يريد معرفة معنى “السعي” لنزع الشرعية، وما هو سند شرعية اسرائيل حتى لا يحرجهم أو يقع في المحظور ويعرض نفسه للمساءلة، إذ يبدو أن مجرد القول بأن حائطَ البراق ملكٌ اسلامي يعتبر سعيا لنزع الشرعية، أي أن اثارةَ قضية تخص ملكية بيتٍ أو أرضٍ أو مسجد أو مقاومةَ محاولاتِ اغتصابِ أرضٍ أو اقتلاعِ أشجارٍ يعتبر سعيا لنزع الشرعية عن اسرائيل، استنادا كما يبدو على أن الحركة الصهيونية تعتبر كل فلسطين أرضَ اسرائيل وأن الشعب الفلسطيني لا حقوق له فيها، وتتصرف هي والمستوطنون على هذا الاساس. هل هذا الالتزام هو الذي يفسر عدم تصدي السلطة حتى لحماية المواطنين من الاغتيال على يد قوات الامن الاسرائيلية حتى لو وقع ذلك في رام الله عاصمة السلطة؟ الشعب الفلسطيني يريد ان يعرف أين هو من هذا كله ما دام أن الحكومة الامريكية أثارت هذا الموضوع مرارا ومن الواضح أن قادة السلطة قد التزموا بالتنفيذ.

وفي نظر كراولي يدخل في موضوع نزع الشرعية “نفيُ الارتباط التاريخي لليهود بالأرض”. والغريب في هذا الأمر، وما أكثر الغرائب، أن التاريخ نفسه ينفي هذا الارتباط الذي يريد كراولي تثبيته. هم يعلمون أن إدعاءهم بحق تاريخي ليس له أساس، وأنه ادعاء باطل، ولذا فهم يريدون من الفلسطينيين، ومن غيرهم، أن يمتنعوا عن اثارة أي موضوع يشتم منه أنه يطعن أو حتى يشكك في شرعية وجود أو قيام اسرائيل أو في ارتباطها التاريخي بفلسطين. ويدخل في هذا بطبيعة الحال الحديث عن التاريخ الفلسطيني في فلسطين والآثار التاريخية والحضارية والوجودية للشعب القلسطيني. ويدخل فيه أيضا المحاولات المحمومة التي تقوم بها اسرائيل في ذلك الجزء من فلسطين الذي أعلنت دولتها فيه لطمس كل مظاهر الوجود الفلسطيني فتدمر القرى وتمحو الاسماء أو تغيرها وتصادر الاراضي للتضييق على الوجود الفلسطيني. اثبات الشرعية هو الازمة الخانقة التي تعيشها اسرائيل، وهي المشكلة التي أصبحت تزداد الحاحا، خاصة بعد العدوان الأخير على قطاع غزة والذي أكد للعالم الطبيعة العدوانية الهمجية لاسرائيل. يريد السيد كراولي من الفلسطينيين أن يقفوا مدافعين عن شرعية مزعومة لإسرائيل، ولو كان ذلك على حساب نفي شرعية وجودهم هم ومحو تاريخهم وحضارتهم.هذاهذيانُ جنونِ الاغتصابِ والغطرسةِ وانحسارِ الثقة في اساس الوجود في حد ذاته، اثاره مقالٌ في موضوعٍ صغيرٍ نسبيا ومحدد، فكيف يكون الحال اذا قامت حملة واسعة يتعرف فيها العالم على زيف جميع الادعاءات الاسطورية الصهيونية والاسرائيلية. الوضع مقلق جدا لاسرائيل، ولذا فانها هي وامريكا تريدان من الشعب الفلسطيني أن يمحو تاريخه بيديه ويمنح الشرعية التاريخية لاسرائيل. وهذا لن يكون، حتى ولو صادق عليه جميع قادة السلطة والناطقين باسمها والمفاوضين عنها أو كانوا محمود عباس وسلام فياض اللذين استشهد بهما رئيس لجنة الخارجية في الكونغرس الامريكي.

وقالت الصحيفة إن رئيس لجنة الخارجية التابعة للكونغرس الامريكي،هاوارد برمن، “أصدر بيانا أدان فيه الدراسة. وقال إنه يستنكر بشدة الدراسة وأن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض يدركون الاهمية الروحية للحائط الغربي بالنسبة لليهود في العالم. كما اعتبر نفي علاقة اليهود بالحائط الغربي استفزازا وتحريضا لا يقل عن نفي علاقة الفلسطينيين بالحرم الشريف.وطالب السلطة الفلسطينية بادانة الدراسة فورا، واصدار بيان ينفي أن يكون الحديث عن موقف رسمي للسلطة. كما طالب بازالة اي ذكر للدراسة من مواقع السلطة.” أما رئيس وزراء اسرائيل الحريص دائما على السلام وقول الحقيقة فقد نُسِبَ اليه قوله: ” إن نفي الصلة بين الشعب اليهودي والحائط الغربي من جانب وزارة الاعلام بالسلطة الفلسطينية أمر مخز ولا يستند الى أساس.” ما هو الشيء المخزي في التذكير بالحقائق التاريخية والقانونية؟ واذا كان تقرير لجنة قضائية مستقلة تتصف بما سبق وذكرناه لا يصلح سندا فهل تصريحات نتنياهو أجدر بالقبول؟ المخزي والذي لا يستند الى اساس هو موقفه وموقف السلطة الفلسطينية التي استجابت له ولرئيس لجنة الخارجية في الكونغرس الامريكي وللناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الامريكية.

سادسا: موقف السلطة الفلسطينية

كان موقف رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس واضحا وحاسما: فقد طالب بازالة هذا المقال من موقع وزارة الاعلام الفلسطينية. وبالفعل فقد أزيل المقال وأصبح البحث عنه في الموقع غير منتج. وأنا مدين للاستاذ محمد العبد الله الذي لفت نظري أصلا اليه وما حل به كما أنه نشر تعقيبا له عليه، ثم تكرم وأرسل لي صورة من المقال والتعقيب ومن مقالٍ للكاتب الفلسطيني بلال الحسن نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بتاريخ 5/12/2010 تعرض فيه لردود الفعل الاسرائيلية والامريكية وأورد جانبا من النتائج والقرارت التي توصلت لها اللجنة الدولية التي درست موضوع حائط البراق.

دخلنا على موقع وزارة الاعلام الفلسطينية بتاريخ 25/12/2010 وبدأنا بحثا في موقع الوزارة عن مقال الدكتور طه الذي كان قد نشر على الموقع في 22/11/2010، فلم يُفتح علينا بشيء، وكنا قد فعلنا الشيء نفسه في 16/12/2010. وتبين من استعراض مواقع أشير فيها الى “وزارة الا علام الفلسطينية” أن المقال قد أزيل من الموقع في اليوم التالي لنشره، وجاء في موقع “اليوم السابع” بتاريخ 2 ديسمبر 2010 ما يلي “بعد ادانة واشنطن، وزارةُ الاعلام الفلسطينية تحذف وثيقة حول حائط البراق من موقعها الالكتروني”. واستند هذا الخبر على ما قالته الاذاعة الاسرائيلية العامة من أن الوثيقة سحبت من الموقع الالكتروني لوزارة الاعلام الفلسطينية حيث أن الرابط الالكتروني لفتح الوثيقة تحت عنوان بحث في موضوع حائط البراق اصبح متعذرا الوصول اليه بعد ادانة واشنطن لهذه الوثيقة. وذكر الخبر أن الاذاعة الاسرائيلية حاولت الاتصال بالمتوكل، ونسبت له القول انه في اجازة وأنه تلقى تعليمات واضحة بألا يتحدث في الموضوع، وانه لا يدري ما اذا كانت الوثيقة قد سحبت. وعلى أية حال فقد نسب اليه القول إنه لم يسحبها هو ولا يعرف ما جرى لموقع الانترنت، وإنه لا يعرف من سحب الوثيقة وأكد أنه لا يقف وراء نشرها على الموقع، وان المقال يعبر عن رأيه وليس رأي وزارة الاعلام أو السلطة الفلسطينية. وهكذا بين هذه التصريحات وازالة المقال من الموقع تم تنفيذ كل ما طُلِبَ من السلطة، وتأكد ما ادعاه الناطقون الرسميون الاسرائيليون والامريكيون.

أما السلطة فانها لم تعترف بأنها ازالت المقال من موقعها، بل إنها أصدرت بيانا قالت فيه، حسبما جاء في “الجزيرة توك”، إن “دائرة الانترنت في الوزارة باشرت العمل من اجل استرجاع الصفحة”. وحتى تاريخ اعداد هذا المقال وهو 25/12/2010 فإنه يبدو أن الوزارة لم تنفذ ما وعدت به. ولعل السبب في ذلك هو ما نسب من تصريح لأحد مسئولي السلطة “من أن حائط البراق وقف للمسلمين ولكن في الماضي كان هناك من المفاوضين عن الجانب الفلسطيني من قد وافق على أن يبقى الحائط تحت سيطرة اسرائيل في اطار تسوية أو اتفاق مستقبلي”. فاذا صح هذا القول، فإن تلميحا بالاعتراض يكون كافيا لسحب المقال. ونحن لا نستبعد مطلقا أن يكون احد المفاوضين قد قال مثل هذا الكلام وسجلوه عليه ثم الزموا السلطة به والشعب لا يعرف عنه شيئا. وما أكثر السوابق . وقد تُقَرِّرُ السلطةُ تشكيلَ لجنة تحقيق في الموضوع، تماما كلجنة التحقيق في من اصدر التعليمات لممثل السلطة في جنيف لتأجيل بحث تقرير القاضي جولدستون من جانب مجلس حقوق الانسان، وبنفس النتيجة: عدم نشر التقرير لأن من اصدر الامر معروف للجميع.

سابعا : النص الكامل لقرار اللجنة

حيث أن تقرير اللجنة ليس متوفرا لدى الجميع وقد لا يكون من السهل العثور عليه، بل وقد يختفي من الوجود، وحيث أن هذا التقرير هو المرة الاولى التي عرض فيها جانب من جوانب القضية الفلسطينية على جهة قضائية أو تحكيمية دولية، فإنه من الضروري معرفة ما قررته اللجنة وتعميمه. وفي ما يلي النص الكامل للقرار، وليس للتقرير .

نص القرار
“1 – للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً من ساحة الحرم الشريف.
2 – للمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الذي أمام الحائط.
3 – إن ادوات العبادة التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط لا يجوز أن تعتبر أنها تنشئ اي حق عيني لليهود في الحائط او في الرصيف.
4 – إن التعليمات المؤقتة التي اصدرتها ادارة فلسطين في اواخر أيلول/سبتمبر سنة 1929 بشان ادوات العبادة أصبحت قطعية، على أن يجري فيها تعديل واحد وهو: “يسمح لليهود بوضع الخزانة المحتوية على اسفار التوراة ، والمائدة التي توضع عليها الاسفار عند القراءة منها عند الحائط وذلك:
(أ‌) في يوم عيد راس السنة.
(ب)في يوم عيد الغفران.
(ج) في أيام الاعياد الخصوصية الاخرى المعترف بها من قبل الحكومة.”
5 – يمنع جلب المقاعد والسجاجيد والحصر والكراسي والستائر والحواجز.
6 – لا يسمح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الحائط.
7 – لا يسمح للمسلمين باقامة حفلة (الذكر) بقرب الرصيف في أثناء قيام اليهود بالصلاة.
8 – تنظيف الرصيف وتصليحه حق من حقوق المسلمين بشرط تبليغ الادارة.
9 – تعمير الحائط تقوم به ادارة فلسطين بالنظر الى انه أثر تاريخي، وانما يستشار المجلس الاسلامي والمجلس الرباني بذلك.
10 – ادوات العبادة التي يجوز لليهود أن يجلبوها معهم يوميا هي:
(أ‌) منضدة تحتوي على قناديل طقسية.
(ب) صندوق (يوضع على هذه المنضدة) من الزنك ذو أبواب زجاجية تضاء فيه هذه القناديل.
(ج‌) طست غسيل (يمكن نقله)
(د‌) وعاء ماء يوضع مع الطست على المنضدة.
11 – لا يجوز وضع ستائر أو حاجز على الحائط أو الرصيف من اجل فصل الرجال عن النساء أو لأية غاية أخرى.
12 – يبقى الباب الخشبي المؤدي من الرصيف الى الزاوية مقفلا ليلة السبت وأيام الاعياد اليهودية في الساعة الخامسة مساء وطيلة هذه الايام حتى غروب الشمس.
13 – توضع أحكام هذا الامر موضع الاجراء اعتبارا من اليوم الثامن من شهر حزيران (يونيو) سنة 1931″.

مما تجدر ملاحظته مدى الدقة والتخصيص في هذا القرار وأنه حريص على قصر علاقة اليهود بالجدار في حدود ضيقة جدا كلها تتعلق بالعبادة ولا تترك مجالا لاكتساب حقوق اخرى مهما كانت استنادا الى التمتع بما سمح به القرار من ممارسات. ونود أن نؤكد ما قالته اللجنة من أن هذه الممارسات لم تنشأ من حق تاريخي في الحائط وانما جاءت بسبب تسامح المسلمين في هذا الشأن. ونلفت النظر على وجه الخصوص الى الفقرة رقم 3 من القرار والتي قالت اللجنة إنها جاءت استجابة لطلب من الجانب الفلسطيني، حيث انه ذَكَّرَ اللجنة باسلوب مارسته الصهيونية (وما زالت تمارسه حتى اليوم بدهاء) وهو اسلوب الخطوة خطوة في محاولة افتعال الحقوق ثم محاولة فرضها. وأشار الجانب الفلسطيني الى ان البداية قد تكون وضع المنضدة والكراسي والستائر الخ ثم تتلوها عملية تثبيت هذه في مواقعها ثم مواصلة استعمالها لمدة ثم الادعاء بانها اصبحت جزءا من الموقع ثم الادعاء بحق عيني في وجودها وبقائها وهكذا. ولذا طالب الجانب الفلسطيني بالتصريح بأن وجود هذه الاشياء في الموقع لا يرتب حقا عينيا عليه. واستجابت اللجنة لهذا الطلب الطبيعي والقانوني. واسرائيل، بصفتها دولة احتلال، لا تملك تغيير هذا الوضع الذي استمر حتى في أيام سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين.

ثامنا: وختاما

التحية كل التحية للدكتور المتوكل طه، ويظل السؤال مطروحا: هل السلطة الفلسطينية وقادتها ومفاوضوها والشعب الفلسطيني الذي تُنتهكُ كرامتُه وحقوقُه وتاريخُه ووجودُه كل يوم وتُدَمرُ بيوتُه وتُحرقُ محاصيله وتُقْتَلَعُ اشجارُه وتُصادرُ اراضيه ويُغتالُ أبناؤه ويشردون بأيدي الاحتلال ومستوطنيه يتوجب عليهم حماية أمن الاحتلال ومستوطنيه، والدفاعُ عن أساطيره وشرعيته المزعومة، والتنكرُ، من اجل ذلك، لتاريخهم وتزويرُه؟
هل هذا هو واجبهم أم إن واجبهم شيء آخر؟

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s